سأناقش
تالياً الشهادات ليسوع على أنّه ابن الله أو الرّبّ، إلاّ أنّني لن أناقش ما شهد به
يسوع لنفسه، وذلك لأنّها دعوى يصعب التحقّق منها، ولأنّ شهادة امرئ لنفسه لا تصحّ.
ولنضرب
مثالاً على حقيقة عدم جواز الأخذ بشهادات يسوع لنفسه، وعلى عدم دقّة ما شهد به
لنفسه.
إليكم كمثال الآيات التالية من الإصحاح الثامن في إنجيل القدّيس يوحنّا:
"12
وكلّمهم أيضاً يسوع قال:"أنا نور العالم من يتبعني لا يمش في الظّلام بل يكون
له نور الحياة" 13 فقال له الفريسيّون:"أنت تشهد لنفسك، فشهادتك لا
تصح" 14 أجابهم يسوع:"إنّي، وإن شهدت لنفسي، فشهادتي تصحّ فأنا أعلم من
أين أتيت وإلى أين أذهب. أمّا أنتم فلا تعلمون من أين أتيت ولا إلى أين أذهب 15
أنتم تحكمون حكم البشر وأنا لا أحكم على أحد 16 وإذا حكمت، فحكمي صحيح لأنّي لست
وحدي بل أنا والّذي أرسلني 17 وكتب في شريعتكم: شهادة شاهدين تصحّ 18 أنا أشهد
لنفسي والأب الّذي أرسلني يشهد لي أيضاً" 19 فقالوا له:"أين أبوك؟"
أجاب يسوع:"أنتم لا تعرفوني ولا تعرفون أبي، ولو عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً".
الآيات
لا نظير لها في أناجيل القدّيسين متّى ومرقس ولوقا!
مناقشة لبعض حقائق الآيات:
1.
الآية
12، هل تنقض الآيةُ آيةً تأتي لاحقاً في ذات إنجيل القدّيس يوحنّا؟
الآية 12:
"12 وكلّمهم أيضاً يسوع قال:"أنا نور العالم
من يتبعني لا يمش في الظّلام بل يكون له نور الحياة".
ومعنى الآية، وهو: "أنّ من اتّبع النّور لا يمش في
الظلام"، لربّما يجوز القول أنّ القدّيس متّى قد أكّده برواية أخرى، وذلك حين
خاطب يسوع تلاميذه قائلاً:
"أنتم نور العالم. لا تخفى مدينة على جبل 15 ولا
يوقد سراج ويوضع تحت المكيال، بل على المنارة، فيضيء لجميع الّذين في البيت 16
هكذا فليضيء نوركم للنّاس، ليروا أعمالكم الصّالحة، فيمجّدوا أباكم الّذي في
السّماوات" الإصحاح الخامس.
وبالتالي، فإنّه لا اعتراض على معنى الآية 12، والّذي
تؤكّده الآية في إنجيل القدّيس متّى، ولكن:
كيف تفسّر الآية التالية في إنجيل القدّيس يوحنّا:
"3 أجاب يسوع:"لا هذا خطئ ولا والداه، ولكن
كان ذلك لتظهر فيه أعمال الله 4 يجب علينا، ما دام النّهار، أن نعمل أعمال الّذي
أرسلني. فاللّيل آت، وفيه لا يستطيع أحد أن يعمل 5 ما دمت في العالم، فأنا نور
العالم" الإصحاح التّاسع.
؟!
فهل يسوع نور العالم الأبديّ، والّذي بفضله عمل التّلاميذ
ما عملوا من بعده؟!
أم أنّه كان نور إلى أن صلب وقام ورفع: "ما دمت في
العالم"، ثمّ أتى اللّيل المظلم: "فاللّيل آت"، والّذي "فيه لا
يستطيع أحد أن يعمل"؟!
2.
الآية
17، اقتباس لا أصل له حرفيّاً في أسفار الشّريعة: خروج. لاويّين. عدد. تثنية!
أي أنّه لا توجد آية واحدة في أسفار الشريعة مكتوب فيها،
أو جزء منها: "شهادة شاهدين تصحّ". ولربّما كان الاقتباس عن إحدى الآيات
التالية:
الآية الأولى:
"6 على فم شاهدين أو ثلاثة شهود يقتل الّذي يقتل.
لا يقتل على فم شاهد واحد" تثنية: الإصحاح السّابع عشر.
الآية الثانية:
"15 لا يقوم شاهد واحد على إنسان في ذنب مّا أو
خطيّة مّا من جميع الخطايا الّتي يخطئ بها. على فم شاهدين أو على فم ثلاثة شهود
يقوم الأمر" تثنية: الإصحاح التّاسع عشر.
الآية الثالثة:
"30 كلّ من قتل نفساً فعلى فم شهود يقتل القاتل. وشاهد
واحد لا يشهد على نفس للموت" عدد: الإصحاح الخامس والثّلاثون.
إلاّ أنّ الآيات الثّلاث تتحدّث عن عدد من يجب أن يشهدوا
على من قتل نفساً، أو أذنب ذنباً، أو ارتكب خطيّة، وليس عن عدد الشهود الّذين يجب
أن يحضرهم من قال أنّه: إله، أو قال أنّه: "ابن الله، أو ابن الرّبّ"!
فهل شهد يسوع تلك الشّهادة لنفسه، أم لم يشهد؟!
إن كُنّا سنغضّ الطّرف عمّا ذكرنا في 1 و2، فإنّنا سنكتفي
بالتساؤل ههنا:
هل يجوز عقلاً الأخذ بما قاله يسوع في الآية 18:
"18 أنا أشهد لنفسي والأب الّذي أرسلني يشهد لي أيضاً"
؟!
بالطبع لا يجوز!
فهو يشهد لنفسه في الجزء الأوّل من الآية: "أنا
أشهد لنفسي"، وشهادة امرئ لنفسه لا تصح. وهو يخبر عن غائب في الجزء الثّاني
من الآية: "والأب الّذي أرسلني يشهد لي أيضاً"، ولا يجوز عقلاً أخذ
شهادة من كان غائباً. ولهذا نجد الفريسيّين يبادرون يسوع بالسؤال: "أين
أبوك؟" في الآية 19، وذلك بعد أن قال لهم ما قال في الآية 18، وقد كانوا
محقّين في ذلك!
فكم شاهداً أقام يسوع لإثبات صحّة دعواه؟!
لا أحد!
ناهيك عن كون أساس تلك الشهادة غير متين، ألا وهو اقتباس
آية غير موجودة في أسفار الشّريعة. وناهيك أيضاً عن أنّه نسب الشّريعة للفريسيّين:
"شريعتكم"، مع كون الرّبّ الأب هو من أنزلها على عبده موسى!
وإذا كان الإبن والأب واحد فإنّ الإبن هو من أنزلها أيضاً
على موسى، أي أنها شريعته هو!
فهل سنأخذ بهذه الشّهادة؟!
بالطبع لا!
ولهذا أسلفنا أنّنا لن نناقش ما شهد به يسوع لنفسه على
أنّه "ابن الله، أو ابن الرّبّ"!
ولعلّ ما سلف دليل صريح على أنّ القدّيس لم يكن تلميذاً
للسيّد المسيح، بل ولم ير من رأى التّلاميذ!
وإلاّ:
فكيف جاز أن ينسب إلى معلّمه آية غير موجودة في أسفار
الشّريعة؟!
بل وكيف جاز أن يكون يسوع الابن ذا حجّة ضعيفة في حديثه
مع الفريسيّين؟!
ولعلّ ما سلف يثبت صحّة دعوى الفريسيّين بأنّ يسوع جدّف
على الله بالفعل، وهو ما سنعلمه يقيناً في مناقشة علّة الصّلب: "التجديف"!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق