الخميس، 9 مارس 2017

بعض أوجه التفكر في الخلق لمعرفة الخالق سبحانه وتعالى 1

3- الإمام جعفر الصادق وصاحبه المفضّل بن عمر:
شكى المفضّل إلى الإمام أمر بعض الملحدين، فأعطاه الإمام عليه السّلام بعض صور التفكّر في خلق المولى عزّ وجلّ جواباً لهم، فقال:
يا مفضّل إنّ الشكّاك جهلوا الأسباب والمعاني في الخلقة، وقصرت أفهامهم عن تأمّل الصواب والحكمة، فيما ذرأ الباري جلّ قدسه وبرأ، من صنوف خلقه في البرّ والبحر، والسهل والوعر، فخرجوا بقصر علومهم إلى الجحود، وبضعف بصائرهم إلى التكذيب والعنود، حتّى أنكروا خلق الأشياء، وادّعوا أنّ كونها بالإهمال لا صنعة فيها ولا تقدير، ولا حكمة من مدبّر ولا صانع، تعالى الله عمّا يصفون. فهم في ضلالهم وعماهم وتحيّرهم بمنزلة عميان دخلوا داراً قد بنيت أتقن بناء وأحسنه، وفرشت بأحسن الفرش وأفخره، وأعدّ فيها من ضروب الأطعمة والأشربة والملابس والمآرب الّتي تحتاج إليها، ولا تستغني عنها، ووضع كلّ شيء من ذلك موضعه على صواب من التقدير، وحكمة من التدبير، فجعلوا يتردّدون فيها يميناً وشمالاً، ويطوفون بيوتها إدباراً وإقبالاً، محجوبة أبصارهم عنها، لا يبصرون بنية الدّار وما أعدّ فيها، وربّما عثر بعضهم بالشّيء الّذي قد وضع موضعه وأعدّ للحاجة إليه، وهو جاهل بالمعنى فيه ولما أعدّ، ولماذا جعل كذلك، فتذّمر وتسخّط وذمّ الدّار وبانيها. فهذه حال هذا الصنف في إنكارهم ما أنكروا من أمر الخلقة، وثبات الصنعة. فإنّهم لمّا غربت أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء، صاروا يجولون في هذا العالم حيارى، ولا يفهمون ما هو عليه من إتقان خلقته، وحسن صنعته، وصواب تهيئته.
يا مفضّل، أوّل العبر والأدلّة على الباري جلّ قدسه تهيئة هذا العالم، وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه. فإنّك إذا تأمّلت العالم بفكرك، وميّزته بعقلك، وجدته كالبيت المبنيّ المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده. فالسّماء مرفوعة كالسّقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنّجوم منضودة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وكلّ شيء فيها لشأنه معدّ، والإنسان كالممّلك ذلك البيت، والمخوّل جميع ما فيه، وضروب النبات مهيّأة لمآربه، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه، ففي هذا دلالة واضحة على أنّ العالم مخلوق بتقدير وحكمة، ونظام وملائمة، وأنّ الخالق له واحد، وهو الّذي ألّفه ونظمه بعضاً إلى بعض، جلّ قدسه، وتعالى مجده، وكرم وجهه، ولا إله غيره، تعالى عمّا يقول الجاحدون، وجلّ وعظم عمّا ينتحله الملحدون.
نبتدئ يا مفضّل بذكر خلق الإنسان فاعتبر به. فأوّل ذلك ما يدبّر به الجنين في الرّحم، وهو محجوب في ظلمات ثلاث، ظلمة البطن، وظلمة الرّحم، وظلمة المشيمة. حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء ولا دفع أذى، ولا استجلاب منفعة ولا دفع مضرّة. فإنّه يجري إليه من دمّ الحيض ما يغذوه كما يغذوا الماء النبات. فلا يزال ذلك غذاؤه حتّى إذا كمل خلقه واستحكم بدنه، وقوي أديمه على مباشرة الهواء، وبصره على ملاقاة الضياء، هاج الطّلق بأمّه فأزعجه أشدّ إزعاج، وأعنفه حتّى يولد. وإذا ولد، صرف ذلك الدم الّذي كان يغذوه من دم أمّه إلى ثدييها، فانقلب الطعم واللّون إلى ضرب آخر من الغذاء، وهو أشدّ موافقة للمولود من الدم. فيوافيه في وقت حاجته إليه. فحين يولد قد تلمظّ، وحرّك شفتيه طلباً للرضاع، فهو يجد ثديي أمّه كالأداوتين المعلّقتين لحاجته إليه، فلا يزال يغتذي باللّبن ما دام رطب البدن، رقيق الأمعاء، ليّن الأعضاء، حتّى إذا تحرّك واحتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتدّ ويقوى بدنه، طلعت له الطواحن من الأسنان والأضراس، ليمضغ به الطعام، فيلين عليه، ويسهل له إساغته، فلا يزال كذلك حتّى يدرك، فإذا أدرك وكان ذكراً، طلع الشعر في وجهه، فكان ذلك علامة الذكر وعزّ الرجل، الّذي يخرج به من حدّ الصبا وشبه النساء. وإن كانت أنثى يبقى وجهها نقيّاً من الشعر، لتبقى لها البهجة والنضارة الّتي تحرّك الرّجال لما فيه دوام النسل وبقاؤه.
اعتبر يا مفضّل فيما يدبّر به الإنسان في هذه الأحوال المختلفة، هل ترى يمكن أن يكون بالإهمال؟ أفرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدّم وهو في الرحم، ألم يكن سيذوي ويجفّ كما يجفّ النبات إذا فقد الماء؟ ولو لم يزعجه المخاض عند استحكامه، ألم يكن سيبقى في الرحم كالموؤود في الأرض؟ ولو لم يوافقه اللّبن مع ولادته، ألم يكن سيموت جوعاً، أو يغتذي بغذاء لا يلائمه ولا يصلح عليه بدنه؟ ولو لم تطلع عليه الأسنان في وقتها، ألم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام وإساغته. أو يقيمه على الرضاع فلا يشدّ بدنه ولا يصلح لعمل؟ ثمّ كان تشتغل أمّه بنفسه عن تربية غيره من الأولاد. ولو لم يخرج الشّعر في وجهه في وقته، ألم يكن سيبقى في هيئة الصبيان والنساء فلا ترى له جلالة ولا وقاراً؟ ولو كان المولود يولد فَهِماً عاقلاً، لأنكر العالم عند ولادته، ولبقي حيران تائه العقل، إذا رأى ما لم يعرف وورد عليه ما لم ير مثله من اختلاف صور العالم، من البهائم والطير، إلى غير ذلك ممّا يشاهده ساعة بعد ساعة ويوماً بعد يوم. واعتبر ذلك بأنّ من سبي من بلد إلى بلد وهو عاقل يكون كالواله الحيران، فلا يسرع في تعلّم الكلام وقبول الأدب، كما يسرع الّذي يسبى صغيراً غير عاقل. ثمّ لو ولد عاقلاً كان يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولاً مُرَضَّعاً، مُعصّباً بالخرق، مُسجّىً في المهد، لأنّه لا يستغني عن هذا كلّه لرقّه بدنه ورطوبته حين يولد. ثمّ كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل، فصار يخرج إلى الدنيا غبيّاً غافلاً عمّا فيه أهله، فيلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة، ثمّ لا يزال يتزايد في المعرفة قليلاً قليلاً وشيئاً بعد شيء، وحالاً بعد حال، حتّى يألف الأشياء ويتمرّن ويستمرّ عليها. فيخرج من حدّ التأمّل لها والحيرة فيها، إلى التصرّف والاضطراب إلى المعاش بعقله وحيلته، وإلى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية. وفي هذا أيضاً وجوه أخر، فإنّه لو كان يولد تامّ العقل مستقلاًّ بنفسه، لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد، وما قدر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة، وما يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكلّفات بالبرّ والعطف عليهم عند حاجتهم إلى ذلك منهم. ثمّ كان الأولاد لا يألفون آباءهم ولا يألف الآباء أبنائهم، لأنّ الأولاد كانوا سيستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم، فيتفرّقون عنهم حين يولدون فلا يعرف الرّجل أباه وأمّه، ولا يمتنع من نكاح أمّه وأخته وذوات المحارم منه إذا كان لا يعرفهنّ، وأقلّ ما في ذلك من القباحة، بل هو أشنع وأعظم وأفضع وأقبح وأبشع، لو خرج المولود من بطن أمّه وهو يعقل أن يرى منها ما لا يحلّ له، ولا يحسن به أن يراه. أفلا ترى كيف أقيم كلّ شيء من الخلقة على غاية الصواب، وخلا من الخطأ دقيقه وجليله.
اعرف يا مفضّل ما للأطفال في البكاء من المنفعة، واعلم أنّ في أدمغة الأطفال رطوبة إن بقيت فيها أحدثت أحداثاً جليلة، وعللاً عظيمة، من ذهاب البصر وغيره. فالبكاء يسيل تلك الرطوبة من رؤوسهم، فيعقّبهم ذلك الصحة في أبدانهم، والسلامة في أبصارهم، أفليس قد جاز أن يكون الطفل ينتفع بالبكاء ووالداه لا يعرفان ذلك؟! فهما دائبان ليسكتاه ويتوخّيان في الأمور مرضاته لئلاّ يبكي، وهما لا يعلمان أنّ البكاء أصلح وأجمل عاقبة، فهكذا يجوز أن يكون في كثير من الأشياء منافع لا يعرفها القائلون بالإهمال. ولو عرفوا ذلك لم يقضوا على الشّيء إنّه لا منفعة فيه من أجل أنّهم لا يعرفونه، ولا يعلمون السبب فيه، فإنّ كلّ ما لا يعرفه المنكرون يعلمه العارفون. وكثير ممّا يقصر عنه علم المخلوقين محيط به علم الخالق جلّ قدسه وعلت كلمته. فأمّا ما يسيل من أفواه الأطفال من الرّيق، ففي ذلك خروج الرطوبة الّتي لو بقيت في أبدانهم لأحدثت عليهم الأمور العظيمة، كمن تراه قد غلبت عليه الرطوبة فأخرجته إلى حدّ البله والجنون والتخليط، إلى غير ذلك من الأمراض المختلفة كالفالج واللّقوة وما أشبههما، فيجعل الله تلك الرطوبة تسيل من أفواههم في صغرهم لما لهم في ذلك من الصحّة في كبرهم. فتفضّل على خلقه بما جهلوه، ونظر لهم بما لم يعرفوه. لو عرفوا نعمه عليهم لشغلهم ذلك عن التّمادي في معصيته، فسبحانه ما أجلّ نعمته وأسبغها على المستحقّين وغيرهم من خلقه، وتعالى عمّا يقول المبطلون علوّاً كبيراً.
انظر الآن يا مفضّل كيف جعلت آلات الجماع في الذكر والأنثى جميعاً على ما يشاكل ذلك. فجعل للذكر آلة ناشزة تمتدّ حتّى تصل النطفة إلى الرّحم إذ كان محتاجاً إلى أن يقذف ماءه في غيره. وخلق للأنثى وعاءاً قعر ليشتمل على المائين جميعاً، ويحتمل الولد ويتّسع له ويصونه حتّى يستحكم. أليس ذلك من تدبير حكيم لطيف؟ سبحانه وتعالى عمّا يشركون.
فكّر يا مفضّل في أعضاء البدن أجمع، وتدبير كلّ منها للإرب. فاليدان للعلاج، والرجلان للسعي، والعينان للاهتداء، والفم للاغتذاء، والمعدة للهضم، والكبد للتخليص، والمنافذ لتنفيذ الفضول، والأوعية لحملها، والفرج لإقامة النّسل، وكذلك جميع الأعضاء إذا تأمّلتها، وأعملت فكرك فيها ونظرك، وجدت كلّ شيء منها قد قدّر لشيء على صواب وحكمة.
قال المفضّل: يا مولاي، إنّ قوماً يزعمون أنّ هذا من فعل الطبيعة. فقال الإمام: سلهم عن هذه الطبيعة، أهي شيء له علم وقدرة على مثل هذه الأفعال، أم ليست كذلك؟ فإن أوجبوا لها العلم والقدرة فما يمنعهم من إثبات الخالق؟ فإنّ هذه صنعته، وان زعموا أنّها تفعل هذه الأفعال بغير علم ولا عمد وكان في أفعالها ما قد تراه من الصواب والحكمة، علم أنّ هذا الفعل للخالق الحكيم، وأنّ الّذي سمّوه طبيعة هو سنّة في خلقه الجارية على ما أجراها عليه.
فكّر يا مفضّل في وصول الغذاء إلى البدن وما هو فيه من التدبير، فإنّ الطعام يصير إلى المعدة فتطبخه، وتبعث بصفوه إلى الكبد في عروق رقاق وأشجّة بينها قد جعلت كالمصفّي للغذاء، لكيلا يصل إلى الكبد منه شيء ينكأها، وذلك أنّ الكبد رقيقة لا تحتمل العنف. ثمّ إنّ الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دماً، وينفذ إلى البدن كلّه في مجاري مهيّأة لذلك، بمنزلة المجاري الّتي تهيّؤ للماء حتّى يطرّد في الأرض كلّها، وينفذ ما يخرج منه من الخبث والفضول إلى مفائض قد أعدّت لذلك، فما كان منه من جنس المرّة الصفراء جرى إلى المرارة، وما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال، وما كان من البلّة والرطوبة جرى إلى المثانة. فتأمّل حكمة التدبير في تركيب البدن، ووضع هذه الأعضاء منه مواضعها، وإعداد هذه الأوعية فيه لتحمل تلك الفضول، لئلاّ تنتشر في البدن فتسقمه وتنهكه، فتبارك من أحسن التقدير وأحكم التدبير، وله الحمد كما هو أهله ومستحقّه.
قال المفضّل: فقلت: صف نشؤ الأبدان ونموّها حالاً بعد حال حتّى تبلغ التمام والكمال. فقال عليه السّلام:
أوّل ذلك تصوير الجنين في الرّحم حيث لا تراه عين ولا تناله يد، ويدبّره حتّى يخرج سويّاً مستوفياً جميع ما فيه قوامه وصلاحه من الأحشاء والجوارح والعوامل إلى ما في تركيب أعضائه من العظام واللّحم والشحم والمخّ والعصب والعروق والغضاريف، فإذا خرج إلى العالم تراه كيف ينمي بجميع أعضائه وهو ثابت على شكل وهيئة، لا تتزايد ولا تنقص على أن يبلغ أشدّه إن مدّ في عمره أو يستوفي مدّته قبل ذلك. هل هذا إلاّ من لطيف التدبير والحكمة؟
يا مفضّل انظر إلى ما خصّ به الإنسان في خلقه تشريفاً وتفضيلاً على البهائم، فإنّه خلق ينتصب قائماً ويستوي جالساً، ليستقبل الأشياء بيديه وجوارحه، ويمكنه العلاج والعمل بهما، فلو كان مكبوباً على وجهه كذات الأربع لما استطاع أن يعمل شيئاً من الأعمال.
انظر الآن يا مفضّل إلى هذه الحواسّ الّتي خصّ بها الإنسان في خلقه وشرّف بها على غيره، كيف جعلت العينان في الرأس كالمصابيح فوق المنارة ليتمكّن من مطالعة الأشياء، ولم تجعل في الأعضاء الّتي تحتهن كاليدين والرجلين فتعرّضها للآفات، وتصيبها من مباشرة العمل والحركة ما يعلّلها ويؤثّر فيها وينقص منها، ولا في الأعضاء الّتي وسط البدن كالبطن والظهر فيعسر تقلّبها وإطلاعها نحو الأشياء، فلمّا لم يكن لها في شيء من هذه الأعضاء موضع كان الرأس أسنى المواضع للحواس، وهو بمنزلة الصومعة لها. فجعل الحواس خمساً تلقى خمساً، لكي لا يفوتها شيء من المحسوسات، فخلق البصر ليدرك الألوان، فلو كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها لم يكن منفعة لها. وخلق السمع ليدرك الأصوات، فلو كانت الأصوات ولم يكن سمع يدركها لم يكن فيها أرب، وكذلك سائر الحواسّ. ثمّ هذا يرجع متكافئاً، فلو كان بصر ولم يكن ألوان لما كان للبصر معنى، ولو كان سمع ولم يكن أصوات لم يكن للسمع موضع. فانظر كيف قدّر بعضها يلقى بعضاً فجعل لكلّ حاسّة محسوساً يعمل فيه، ولكلّ محسوس حاسّة تدركه. ومع هذا فقد جعلت أشياء متوسّطة بين الحواسّ والمحسوسات، لا تتمّ الحواسّ إلاّ بها، كمثل الضياء والهواء. فإنّه لو لم يكن ضياء يظهر اللّون للبصر لم يكن البصر يدرك اللّون، ولو لم يكن هواء يؤدّي الصوت إلى السمع لم يكن السمع يدرك الصوت. فهل يخفى على من صحّ نظره وأعمل فكره أنّ مثل هذا الّذي وصفت من تهيئة الحواسّ والمحسوسات بعضها يلقى بعضاً، وتهيئة أشياء آخر بها تتمّ الحواسّ لا يكون إلاّ بعمد وتقدير من لطيف خبير؟
فكّر يا مفضّل فيمن عدم البصر من الناس وما يناله من الخلل في أموره، فإنّه لا يعرف موضع قدمه، ولا يبصر ما بين يديه، فلا يفرّق بين الألوان، وبين المنظر الحسن والقبيح، ولا يرى حفرة إن هجم عليها، ولا عدوّاً إن أهوى إليه بسيف، ولا يكون له سبيل إلى أن يعمل شيئاً من هذه الصناعات، مثل الكتابة والتجارة والصياغة، حتّى أنّه لولا نفاذ ذهنه لكان بمنزلة الحجر الملقى. وكذلك من عدم السمع يختل في أمور كثيرة، فإنّه يفقد روح المخاطبة والمحاورة، ويعدم لذّة الأصوات واللّحون الشجيّة المطربة، ويعظم المؤونة على الناس في محاورته حتّى يتبرّموا به، ولا يسمع شيئاً من أخبار الناس وأحاديثهم، حتّى يكون كالغائب وهو شاهد، أو كالميّت وهو حيّ. فأمّا من عدم العقل فإنّه يلحق بمنزلة البهائم بل يجهل كثيراً ممّا يهتدي إليه البهائم. أفلا ترى كيف صارت الجوارح والعقل وسائر الخلال الّتي بها صلاح الإنسان، والّتي لو فقد منها شيئاً لعظم ما يناله في ذلك من الخلل، يوافي خلقة على التمام حتّى لا يفقد شيئاً منها، فلم كان كذلك إلاّ لأنّه خلق بعلم وتقدير؟!
قال المفضّل: فقلت: فلم صار بعض الناس يفقد شيئاً من هذه الجوارح فيناله في ذلك مثل ما وصفته يا مولاي؟ فقال الإمام: ذلك للتأديب والموعظة لمن يحلّ به ولغيره بسببه، كما قد يؤدّب الملوك الناس للتنكيل والموعظة، فلا ينكر عليهم، بل يحمد من رأيهم، ويصوّب من تدبيرهم، ثمّ للّذين ينزل بهم هذه البلايا من الثواب بعد الموت إن شكروا وأنابوا ما يستصغرون معه ما ينالهم منها، حتّى أنّهم لو خيّروا بعد الموت لاختاروا أن يردّوا إلى البلايا ليزدادوا من الثواب.
فكّر يا مفضّل في الأعضاء الّتي خلقت أفراداً وأزواجاً، وما في ذلك من الحكمة والتقدير، والصواب والتدبير. فالرأس ممّا خلق فرداً، ولم يكن للإنسان صلاح في أن يكون أكثر من واحد. ألا ترى أنّه لو أضيف إلى رأس الإنسان رأس آخر لكان ثقلا عليه من غير حاجة إليه؟ لأنّ الحواس الّتي يحتاج إليها مجتمعة في رأس واحد، ثُمّ كان الإنسان ينقسم قسمين لو كان له رأسان، فإن تكلّم من أحدهما كان الآخر معطلاًّ لا إرب فيه ولا حاجة إليه، وإن تكلّم منهما جميعاً بكلام واحد كان أحدهما فضلاً لا يحتاج إليه، وإن تكلّم بأحدهما بغير الّذي تكلّم به من الآخر لم يدر السامع بأيّ ذلك يأخذ، وأشباه هذا من الأخلاط. واليدان ممّا خلق أزواجاً، ولم يكن للإنسان خير في أن يكون له يد واحدة، لأنّ ذلك كان يخلّ به فيما يحتاج إلى معالجته من الأشياء. ألا ترى أنّ النجّار والبنّاء لو شلّت إحدى يديه لا يستطيع أن يعالج صناعته، وإن تكلّف ذلك لم يحكمه ولم يبلغ منه ما يبلغه إذا كانت له يدان يتعاونان على العمل.
أطل الفكر يا مفضّل في الصوت والكلام وتهيئة آلاته في الإنسان. فالحنجرة كالأنبوبة لخروج الصوت، واللّسان والشفتان والأسنان لصياغة الحروف والنغم. ألا ترى أنّ من سقطت أسنانه لم يقم السّين، ومن سقطت شفته لم يصحّح الفاء، ومن ثقل لسانه لم يفصح الرّاء. وأشبه شيء بذلك المزمار الأعظم، فالحنجرة تشبه قصبة المزمار، والريّة تشبه الزقّ الّذي ينفخ فيه لتدخل الرّيح، والعضلات الّتي تقبض على الريّة ليخرج الصوت كالأصابع الّتي تقبض على الزقّ حتّى تجري الريّح في المزمار، والشفتان والأسنان الّتي تصوغ الصوت حروفاً ونغماً كالأصابع الّتي يختلف في فم المزمار فتصوغ صغيره ألحاناً، غير أنّه وإن كان مخرج الصوت يشبه المزمار بالدلالة والتعريف، فإنّ المزمار بالحقيقة هو المشبه بمخرج الصوت.
قد أنبأتك بما في الأعضاء من الغناء في صنعة الكلام وإقامة الحروف، وفيها مع ما ذكرت لك مآرب أخرى. فالحنجرة ليسلك فيها النسيم إلى الريّة فتروّح على الفؤاد بالنفس الدائم المتتابع الّذي لو احتبس شيئاً يسيراً لهلك الإنسان. وباللّسان تذاق الطعوم فيميّز بينها، ويعرف كلّ واحد منها، حلوها من مرّها، وحامضها من مزّها، ومالحها من عذبها، وطيّبها من خبيثها، وفيه مع ذلك معونة على إساغة الطعام والشراب. والأسنان تمضغ الطعام فيلين ويسهل إساغته، وهي مع ذلك كالسند للشفتين تمسكهما، وتدعمهما من داخل الفم. واعتبر ذلك بأنّك ترى من سقطت أسنانه مسترخي الشفة ومضطربها. وبالشفتين يترشّف الشراب، حتّى يكون الّذي يصل إلى الجوف منه بقصد وقدر، لا يثجّ ثجّاً فيغصّ به الشارب أو ينكا في الجوف، ثمّ هما بعد ذلك كالباب المطبق على الفم يفتحهما الإنسان إذا شاء، ويطبقهما إذا شاء. ففيما وصفنا من هذا بيان أنّ كلّ واحد من هذه الأعضاء يتصرّف وينقسم إلى وجوه من المنافع، كما تتصرّف الأداة الواحدة في أعمال شتّى، وذلك كالفأس يستعمل في النجارة والحفر وغيرهما من الأعمال. ولو رأيت الدماغ إذا كشف عنه، لرأيته قد لفّ بحجب بعضها فوق بعض لتصونه من الأعراض، وتمسكه فلا يضطرب، ولرأيت عليه الجمجمة بمنزلة البيضة كيما يفتّه هدّ الصدمة والصكّة الّتي ربّما وقعت على الرأس، ثمّ قد جلّلت الجمجمة بالشعر حتّى صار بمنزلة الفرو للرأس، يستره من شدّة الحرّ والبرد. فمن حصّن الدماغ هذا التحصين إلاّ الّذي خلقه وجعله ينبوع الحسّ والمستحقّ للحيطة والصيانة بعلوّ منزلته من البدن وارتفاع درجته وخطر مرتبته؟!
تأمّل يا مفضّل الجفن على العين، كيف جعل كالغشاء، والأشفار كالأشراج، وأولجها في هذا الغار، وأظلّها بالحجاب وما عليه من الشعر.
يا مفضّل من غيّب الفؤاد في جوف الصدر، وكساه المدرعة الّتي هي غشاؤه، وحصّنه بالجوانح وما عليها من اللّحم والعصب لئلاّ يصل إليه ما ينكؤه؟! من جعل في الحلق منفذين؟! أحدهما لمخرج الصوت وهو الحلقوم المتّصل بالريّة، والآخر منفذ الغذاء وهو المرئ المتّصل بالمعدة الموصل الغذاء إليها. وجعل على الحلقوم طبقاً يمنع الطعام أن يصل إلى الريّة فيقتل. من جعل الريّة مروّحة الفؤاد؟ لا تفتر ولا تخلّ لكيلا تتحيّز الحرارة في الفؤاد فتؤدّي إلى التلف. من جعل لمنافذ البول والغائط أشراجاً تضبطهما؟ لئلاّ يجريا جرياناً دائماً فيفسد على الإنسان عيشه. فكم عسى أن يحصي المحصي من هذا؟! بل الّذي لا يحصى منه ولا يعلمه الناس أكثر! من جعل المعدة عصبانيّة شديدة، وقدّرها لهضم الطعام الغليظ؟! ومن جعل الكبد رقيقة ناعمة لقبول الصفو اللّطيف من الغذاء، ولتهضم وتعمل ما هو ألطف من عمل المعدة إلاّ الله القادر؟! أترى الإهمال يأتي بشيء من ذلك؟! كلاّ، بل هو تدبير من مدبّر حكيم، قادر عليم بالأشياء قبل خلقه إيّاها، لا يعجزه شيء وهو اللّطيف الخبير.
أصف لك الآن يا مفضّل الفؤاد. اعلم أنّ فيه ثقباً موجّهة نحو الثقب الّتي في الريّة تروّح عن الفؤاد، حتّى لو اختلفت تلك الثقب وتزايل بعضها عن بعض لما وصل الرّوح إلى الفؤاد، ولهلك الإنسان. أفيستجيز ذو فكر ورويّة أن يزعم أنّ مثل هذا يكون بالإهمال ولا يجد شاهداً من نفسه ينزعه عن هذا القول؟! لو رأيت فردا من مصراعين فيه كلّوب، أكنت تتوهّم أنّه جعل كذلك بلا معنى؟ بل كنت تعلم ضرورة أنّه مصنوع ليلقى فرد آخر ليكون في اجتماعهما ضرب من المصلحة. وهكذا تجد الذكر من الحيوان كأنّه فرد من زوج مهيأّ لفرد من أنثى، فيلتقيان لما فيه من دوام النسل وبقائه. فتبّاً وخيبة وتعساً لمنتحلي الفلسفة كيف عميت قلوبهم عن هذه الخلقة العجيبة حتّى أنكروا التدبير والعمد فيها؟ ولو كان فرج الرجل مسترخياً كيف كان يصل إلى قعر الرّحم حتّى يفرغ النطفة فيه؟ ولو كان منعظاً أبداً كيف كان الرجل يتقلّب في الفراش، أو يمشي بين الناس وشيء شاخص أمامه؟ ثمّ يكون في ذلك مع قبح المنظر تحريك الشّهوة في كلّ وقت من الرجال والنساء جميعاً. فقدّر الله جلّ اسمه أن يكون أكثر ذلك لا يبدو للبصر في كلّ وقت، ولا يكون على الرجال منه مؤونة، بل جعل فيه القوّة على الانتصاب وقت الحاجة إلى ذلك، لمّا قدّر أن يكون فيه دوام النسل وبقاؤه.
اعتبر الآن يا مفضّل بعظيم النعمة على الإنسان في مطعمه ومشربه وتسهيل خروج الأذى. أليس من حسن التقدير في بناء الدار أن يكون الخلاء في أستر موضع فيها؟ فكذا جعل الله سبحانه المنفذ المهيّأ للخلاء من الإنسان في أستر موضع منه، فلم يجعله بارزاً من خلفه، ولا ناشراً من بين يديه، بل هو مغيّب في موضع غامض من البدن، مستور محجوب يلتقي عليه الفخذان، وتحجبه الإليتان بما عليهما من اللّحم فيواريانه. فإذا احتاج الإنسان إلى الخلاء، وجلس تلك الجلسة، ألفى ذلك المنفذ منه منصّباً مهيّأً لانحدار الثفل، فتبارك الله من تظاهرت آلاؤه، ولا تحصى نعماؤه.
فكّر يا مفضّل في هذه الطواحن الّتي جعلت للإنسان. فبعضها حداد لقطع الطعام وقرضه، وبعضها عراض لمضغه ورضّه، فلم ينقص واحد من الصفتين إذ كان محتاجاً إليهما جميعاً.
تأمّل واعتبر بحسن التدبير في خلق الشعر والأظفار، فإنّهما لمّا كانا ممّا يطول ويكثر حتّى يحتاج إلى تخفيفه أوّلاً فأوّلاً، جعلا عديميّ الحسّ لئلاّ يؤلم الإنسان الأخذ منهما، ولو كان قصّ الشعر وتقليم الأظفار ممّا يوجد له مسّ من ذلك، لكان الإنسان من ذلك بين مكروهين: إمّا أن يدع كلّ واحد منهما يطول فيثقل عليه، وأمّا أن يخفّفه بوجع وألم يتألّم منه.
قال المفضّل: فقلت: فلم لم يجعل خلقة لا تزيد فيحتاج الإنسان إلى النقصان منه؟ فقال عليه السّلام: إنّ لله تبارك وتعالى في ذلك على العبد نعما لا يعرفها فيحمد عليها. اعلم أنّ آلام البدن وأدواؤه تخرج بخروج الشعر من مسامه، وبخروج الأظفار من أناملها، ولذلك أمر الإنسان بالنورة وحلق الرأس وقصّ الأظفار في كلّ أسبوع ليسرع الشعر والأظفار في النبات، فتخرج الآلام والأدواء بخروجها، وإذا طالا تحيّراً وقلّ خروجهما، واحتبست الآلام والأدواء في البدن فأحدثت عللاً وأوجاعاً. ومنع مع ذلك الشعر من المواضع الّتي تضرّ بالإنسان ويحدث عليه الفساد والضرر. فلو نبت الشعر في العين، ألم يكن سيعمي البصر؟ ولو نبت في الفم، ألم يكن سيغصّ على الإنسان طعامه وشرابه؟ ولو نبت في باطن الكفّ، ألم يكن سيعوقه عن صحّة اللّمس وبعض الأعمال؟ فلو نبت في فرج المرأة، أو على ذكر الرجل، ألم يكن سيفسد عليهما لذّة الجماع؟ فانظر كيف تنكّب الشعر هذه المواضع لما في ذلك من المصلحة. ثمّ ليس هذا في الإنسان فقط، بل تجده في البهائم والسباع وسائر المتناسلات، فإنّك ترى أجسامهم مجللّة بالشعر، وترى هذه المواضع خالية منه لهذا السبب بعينه. فتأمّل الخلقة كيف تتحرّز وجوه الخطأ والمضرّة، وتأتي بالصواب والمنفعة. إنّ المنانيّة وأشباههم حين اجتهدوا في عيب الخلقة والعمد، عابوا الشعر النابت على الركب والإبطين، ولم يعلموا أنّ ذلك من رطوبة تنصبّ إلى هذه المواضع فينبت فيها الشعر، كما ينبت العشب في مستنقع المياه. أفلا ترى إلى هذه المواضع أستر وأهيأ لقبول تلك الفضلة من غيرها؟ ثمّ إنّ هذه تعدّ ممّا يحمل الإنسان من مؤونة هذا البدن وتكاليفه لما له في ذلك من المصلحة، فإنّ اهتمامه بتنظيف بدنه، واخذ ما يعلوه من الشعر ممّا يكسر به شرته، ويكفّ عاديته، ويشغله عن بعض ما يخرجه إليه الفراغ من الأشر والبطالة. تأمّل الريق وما فيه من المنفعة، فإنّه جعل يجري جرياناً دائماً إلى الفم ليبلّ الحلق واللّهوات فلا يجفّ، فإنّ هذه المواضع لو جعلت كذلك كان فيه هلاك الإنسان، ثمّ كان لا يستطيع أن يسيغ طعاماً إذا لم يكن في الفم بلّة تنفذه، تشهد بذلك المشاهدة.
واعلم أنّ الرطوبة مطيّة الغذاء، وقد تجري من هذه البلّة إلى موضع آخر من المرّة، فيكون في ذلك صلاح تامّ للإنسان ولو يبست المرّة لهلك الإنسان. ولقد قال قوم من جهلة المتكلّمين وضعفة المتفلسفين بقلّة التميّز وقصور العلم: لو كان بطن الإنسان كهيئة القباء، يفتحه الطبيب إذا شاء، فيعاين ما فيه، ويدخل يده فيعالج ما أراد علاجه، ألم يكن أصلح من أن يكون مصمّتاً محجوباً عن البصر واليد، لا يعرف ما فيه إلاّ بدلالات غامضة، كمثل النظر إلى البول، وحسّ العرق، وما أشبه ذلك ممّا يكثر فيه الغلط والشبهة حتّى ربّما كان ذلك سبباً للموت. فلو علم هؤلاء الجهلة أنّ هذا لو كان هكذا كان أوّل ما فيه أنّه كان يسقط عن الإنسان الوجل من الأمراض والموت، وكان يستشعر البقاء، ويغترّ بالسلامة فيخرجه ذلك إلى العتوّ والأشر، ثمّ كانت الرطوبات الّتي في البطن تترشّح وتتحلّب فيفسد على الإنسان مقعده ومرقده وثياب بذلته وزينته، بل كان يفسد عليه عيشه، ثمّ إنّ المعدة والكبد والفؤاد إنّما تفعل أفعالها بالحرارة الغريزيّة الّتي جعلها الله محتبسة في الجوف. فلو كان في البطن فرج ينفتح حتّى يصل البصر إلى رؤيته واليد إلى علاجه لوصل برد الهواء إلى الجوف، فمازج الحرارة الغريزيّة، وبطل عمل الأحشاء فكان في ذلك هلاك الإنسان. أفلا ترى أنّ كلّ ما تذهب إليه الأوهام سوى ما جاءت به الخلقة خطأ وخطل؟
فكّر يا مفضّل في الأفعال الّتي جعلت في الإنسان من الطعم والنوم والجماع، وما دبّر فيها، فإنّه جعل لكلّ واحد منها في الطباع نفسه محرّك يقتضيه ويستحثّ به. فالجوع يقتضي الطعام الّذي به حياة البدن وقوامه. والكَرَى تقتضي النوم الّذي فيه راحة البدن وإجمام قواه. والشبق يقتضي الجماع الّذي فيه دوام النسل وبقاؤه. ولو كان الإنسان إنّما يصير إلى أكل الطعام لمعرفته بحاجة بدنه إليه، ولم يجد من طباعه شيئاً يضطرّه إلى ذلك، كان خليقاً أن يتوانى عنه أحياناً بالتثّقل والكسل، حتّى ينحل بدنه فيهلك، كما يحتاج الواحد إلى الدواء بشيء ممّا يصلح ببدنه فيدافع به حتّى يؤدّ به ذلك إلى المرض والموت. وكذلك لو كان يصير إلى النوم بالتفكّر على حاجته إلى راحة البدن وإجمام قواه، كان عسى أن يتثاقل عن ذلك فيدمغه حتّى ينهك بدنه. ولو كان إنّما يتحرّك للجماع بالرغبة في الولد، كان غير بعيد أن يفتر عنه حتّى يقلّ النسل أو ينقطع، فإنّ من الناس من لا يرغب في الولد ولا يحفل به، فانظر كيف جعل لكلّ واحد من هذه الأفعال الّتي بها قوام الإنسان وصلاحه محرّك من نفس الطبع يحرّكه لذلك ويحدوه عليه. واعلم أنّ في الإنسان قوى أربعة: قوّة جاذبة تقبل الغذاء وتورده على المعدة، وقوّة ممسكة تحبس الطعام حتّى تفعل فيه الطبيعة فعلها، وقوّة هاضمة وهي الّتي تطبخه وتستخرج صفوه وتبثّه في البدن، وقوّة دافعة تدفعه وتحدر الثفل الفاضل بعد أخذ الهاضمة حاجتها. تفكّر في تقدير هذه القوى الأربعة الّتي في البدن وأفعالها وتقديرها للحاجة إليها والإرب فيها، وما في ذلك من التقدير والحكمة. ولولا الجاذبة كيف تحرّك الإنسان لطلب الغذاء الّتي بها قوام البدن؟ ولولا الماسكة كيف كان يلبث الطعام في الجوف حتّى تهضمه المعدة؟ ولولا الهاضمة كيف كان ينطبخ حتّى يخلص منه الصفو الّذي يغذوا البدن ويسدّ خلله؟ ولولا الدافعة كيف كان الثفل الّذي تخلّفه الهاضمة يندفع ويخرج أوّلاً فأوّلاً؟ أفلا ترى كيف وكل الله سبحانه بلطيف صنعه وحسن تقديره هذه القوى بالبدن والقيام بما فيه صلاحه؟ وسأمثّل لك في ذلك مثالاً: إنّ البدن بمنزلة دار الملك، وله فيها حشم وصبية وقوّام موكّلون بالدار، فواحد لإقضاء حوائج الحشم وإيرادها عليهم، وآخر لقبض ما يرد وخزنه إلى أن يعالج ويهيّأ، وآخر لعلاج ذلك وتهيئته وتفريقه، وآخر لتنظيف ما في الدار من الأقذار وإخراجه منها. فالملك في هذا هو الخلاّق الحكيم ملك العالمين، والدار هي البدن، والحشم هي الأعضاء، والقوّام هي هذه القوى الأربعة، ولعلّك ترى ذكرنا هذه القوى الأربع وأفعالها بعد الّذي وصفت فضلاً وتزداداً، وليس ما ذكرته من هذه القوى على جهة الّتي ذكرت في كتب الأطّباء، ولا قولنا فيه كقولهم، لأنّهم ذكروها على ما يحتاج إليه في صناعة الطبّ وتصحيح الأبدان، وذكرناها على ما يحتاج في صلاح الدّين وشفاء النفوس من الغيّ، كالّذي أوضحته بالوصف الشافي، والمثل المضروب من التدبير والحكمة فيها.
تأمّل يا مفضّل هذه القوى الّتي في النّفس وموقعها من الإنسان، أعني الفكر والوهم والعقل والحفظ وغير ذلك. أفرأيت لو نقص الإنسان من هذه الخلال الحفظ وحده كيف كانت تكون حاله؟ وكم من خلل كان يدخل عليه من أموره ومعاشه وتجاربه إذا لم يحفظ ما له وعليه، وما أخذه وما أعطى، وما رأى وما سمع، وما قال وما قيل له، ولم يذكر من أحسن إليه ممّن أساء به، وما نفعه ممّا ضرّه، ثمّ كان لا يهتدي لطريق لو سلكه ما لا يحصى، ولا يحفظ علماً ولو درسه عمره، ولا يعتقد ديناً، ولا ينتفع بتجربة، ولا يستطيع أن يعتبر شيئاً على ما مضى، بل كان حقيقاً أن ينسلخ من الإنسانيّة أصلاً.
فانظر إلى النعمة على الإنسان في هذه الخلال، وكيف موقع الواحدة منها دون الجميع؟ وأعظم من النعمة على الإنسان في الحفظ النعمة على النسيان. فإنّه لولا النسيان لما سلا أحد عن مصيبة، ولا انقضت له حسرة، ولا مات له حقد، ولا استمتع بشيء من متاع الدنيا مع تذكّر الآفات، ولا رجا غفلة من سلطان، ولا فترة من حاسد، أفلا ترى كيف جعل في الإنسان الحفظ والنسيان، وهما مختلفان متضادّان، وجعل له في كلّ منهما ضرب من المصلحة؟ وما عسى أن يقول الّذين قسّموا الأشياء بين خالقين متضادّين في هذه الأشياء المتضادّة المتبائنة، وقد تراها تجتمع على ما فيه الصلاح والمنفعة؟
انظر يا مفضّل إلى ما خصّ به الإنسان دون جميع الحيوان من هذا الخلق الجليل قدره، العظيم غناؤه، أعني الحياء، فلولاه لم يقرّ ضيف، ولو يوف بالعدات، ولم تقض الحوائج، ولم يتحرّ الجميل، ولم يتنكّب القبيح في شيء من الأشياء، حتّى أنّ كثيراً من الأمور المفترضة أيضاً إنّما يفعل للحياء. فإنّ من الناس من لولا الحياء لم يرع حقّ والديه، ولم يصل ذا رحم، ولم يؤدّ أمانة، ولم يعف عن فاحشة. أفلا ترى كيف وفّى للإنسان جميع الخلال الّتي فيها صلاحه، وتمام أمره؟
تأمّل يا مفضّل ما أنعم الله تقدّست أسماؤه به على الإنسان من هذا النطق الّذي يعبّر به عمّا في ضميره، وما يخطر بقلبه، ونتيجة فكره، وبه يفهم عن غيره ما في نفسه. ولولا ذلك، كان بمنزلة البهائم المهملة الّتي لا تخبر عن نفسها بشيء، ولا تفهم عن مخبر شيئاً. وكذلك الكتابة الّتي بها تقيّد أخبار الماضين للباقين، وأخبار الباقين للآتين، وبها تخلّد الكتب في العلوم والآداب وغيرها، وبها يحفظ الإنسان ذكر ما يجري بينه وبين غيره من المعاملات والحساب، ولولاه لانقطع أخبار بعض الأزمنة عن بعض، وأخبار الغائبين عن أوطانهم، ودرست العلوم، وضاعت الآداب، وعظم ما يدخل على الناس من الخلل في أمورهم ومعاملاتهم، وما يحتاجون إلى النظر فيه من أمر دينهم، وما روي لهم ممّا لا يسعهم جهله. ولعلّك تظنّ أنّها ممّا يخلص إليه بالحيلة والفطنة، وليست ممّا أعطيه الإنسان من خلقه وطباعه، وكذلك الكلام إنّما هو شيء يصطلح عليه الناس فيجري بينهم، ولهذا صار يختلف في الأمم المختلفة بألسن مختلفة، وكذلك الكتابة، ككتابة العربيّ والسريانيّ والعبرانيّ والروميّ وغيره من سائر الكتابة الّتي هي متفرّقة في الأمم، إنّما اصطلحوا عليها كما اصطلحوا على الكلام، فيقال لمن ادّعى ذلك: إنّ الإنسان وان كان له في الأمرين جميعاً فعل وحيلة، فإنّ الشّيء الّذي يبلغ به ذلك الفعل والحيلة عطيّة وهبة من الله عزّ وجلّ في خلقه، فإنّه لو لم يكن له لسان مهيأ للكلام، وذهن يهتدي به للأمور، لم يكن ليتكلّم أبداً، ولو لم يكن له كفّ مهيّأة وأصابع للكتابة، لم يكن ليكتب أبداً. فأصل ذلك فطرة الباري جلّ وعزّ وما تفضّل به على خلقه، فمن شكر أثيب، ومن كفر فإنّ الله غنيّ عن العالمين.
فكّر يا مفضّل فيما أعطي الإنسان علمه وما مُنِعَ، فإنّه أعطي علم جميع ما فيه صلاح دينه ودنياه. فممّا فيه صلاح دينه معرفة الخالق تبارك وتعالى بالدلائل والشواهد القائمة على الخلق، ومعرفة الواجب عليه من العدل على الناس كافّة برّ الوالدين، وأداء الأمانة، ومواساة أهل الخلّة، وأشباه ذلك ممّا قد توجد معرفته والإقرار والاعتراف به في الطبع والفطرة من كلّ أمّة موافقة أو مخالفة. وكذلك أعطي علم ما فيه صلاح دنياه، كالزراعة والغراس، واستخراج الأرضين، واقتناء الأغنام والأنعام، واستنباط المياه، ومعرفة العقاقير الّتي يستشفى بها من ضروب الأسقام، والمعادن الّتي يستخرج منها أنواع الجوهر، وركوب السفن والغوص في البحر، وضروب الحيل في صيد الوحش والطير والحيتان، والتصرّف في الصناعات، ووجوه المتاجر والمكاسب، وغير ذلك ممّا يطول شرحه ويكثر تعداده، ممّا فيه صلاح أمره في هذه الدار. فأعطي علم ما يصلح به دينه ودنياه، ومنع ما سوى ذلك ممّا ليس في شأنه ولا طاقته أن يعلم. كعلم الغيب وما هو كائن، وبعض ما قد كان أيضاً، كعلم ما فوق السّماء وما تحت الأرض، وما في لجج البحار وأقطار العالم، وما في قلوب الناس، وما في الأرحام وأشباه هذا ممّا حجب على الناس علمه، وقد ادّعت طائفة من الناس هذه الأمور، فأبطل دعواهم ما بيّن من خطائهم فيما يقضون ويحكمون به فيما ادّعوا علمه. فانظر كيف أعطي الإنسان علم جميع ما يحتاج إليه لدينه ودنياه، وحجب عنه ما سوى ذلك ليعرف قدره ونقصه، وكلا الأمرين فيهما صلاحه.
تأمّل الآن يا مفضّل ما ستر عن الإنسان علمه من مدّة حياته، فإنّه لو عرف مقدار عمره وكان قصير العمر، لم يتهنّأ بالعيش مع ترقّب الموت وتوقّعه لوقت قد عرفه، بل كان يكون بمنزلة من قد فني ماله أو قارب الفناء، فقد استشعر الفقر والوجل من فناء ماله وخوف الفقر. على أنّ الّذي يدخل على الإنسان من فناء العمر أعظم ممّا يدخل عليه من فناء المال، لأنّ من يقلّ ماله يأمل أن يستخلف منه فيسكن إلى ذلك، ومن أيقن بفناء العمر استحكم عليه اليأس، وإن كان طويل العمر، ثمّ عرف ذلك، وثق بالبقاء وانهمك في اللّذات والمعاصي وعمل، على أنّه يبلغ من ذلك شهوته ثمّ يتوب في آخر عمره، وهذا مذهب لا يرضاه الله من عباده ولا يقبله. ألا ترى لو أنّ عبداً لك عمل على أنّه يسخطك يوماً، أو شهراً، لم تقبل ذلك منه، ولم يحلّ عندك محلّ العبد الصالح دون أن يضمر طاعتك ونصحك في كلّ الأمور، وفي كلّ الأوقات على تصرّف الحالات.
فإن قلت: أوليس قد يقيم الإنسان على المعصية حيناً ثمّ يتوب فتقبل توبته؟ قلنا: إنّ ذلك شي يكون من الإنسان لغلبة الشهوات، وتركه مخالفتها من غير أن يقدّرها في نفسه ويبني عليه أمره، فيصفح الله عنه، ويتفضّل عليه بالمغفرة، فأمّا من قدّر أمره على أن يعصي ما بدا له ثمّ يتوب آخر ذلك، فإنّما يحاول خديعة من لا يخادع، بأن يتسلّف التلذّذ في العاجل، ويَعِدُ ويُمنِّي نفسه بالتوبة في الآجل. ولأنّه لا يفي بما يعد من ذلك، فإنّ النزوع من الترفّه والتلذّذ ومعاناة التوبة ولا سيّما عند الكبر وضعف البدن أمر صعب. ولا يؤمن على الإنسان مع مدافعته بالتوبة أن يرهقه الموت فيخرج من الدنيا غير تائب. كما قد يكون على الواحد دين إلى أجل وقد يقدر على قضائه، فلا يزال يدافع بذلك حتّى يحلّ الأجل وقد نفد المال، فيبقى الّدين قائماً عليه. فكان خير الأشياء للإنسان أن يستر عنه مبلغ عمره فيكون طول عمره يترقّب الموت، فيترك المعاصي ويؤثر العمل الصالح.
فإن قلت: وها هو الآن قد ستر عنه مقدار حياته وصار يترقّب الموت في كلّ ساعة، يقارف الفواحش وينتهك المحارم؟ قلنا: إنّ وجه التدبير في هذا الباب هو الّذي جرى عليه الأمر فيه، فإن كان الإنسان مع ذلك لا يرعوي، ولا ينصرف عن المساوي، فإنّما ذلك من مرحه ومن قساوة قلبه، لا من خطأ في التدبير، كما أنّ الطبيب قد يصف للمريض ما ينتفع به، فإن كان المريض مخالفاً لقول الطبيب لا يعمل بما يأمره، ولا ينتهي عمّا ينهاه عنه، لم ينتفع بصفته ولم يكن الإساءة في ذلك للطبيب، بل المريض حيث لم يقبل منه. ولئن كان الإنسان مع ترقّبه للموت كلّ ساعة لا يمتنع عن المعاصي، فإنّه لو وثق بطول البقاء، كان أحرى بأن يخرج إلى الكبائر الفظيعة، فترقّب الموت على كلّ حال خير له من الثقة بالبقاء. ثمّ إنّ ترقّب الموت وإن كان صنف من الناس يلهون عنه، ولا يتّعظون به، فقد يتّعظ به صنف آخر منهم، وينزعون عن المعاصي، ويؤثرون العمل الصالح، ويجودون بالأموال والعقائل النفيسة، في الصدقة على الفقراء والمساكين، فلم يكن من العدل أن يحرم هؤلاء الانتفاع بهذه الخصلة لتضييع أولئك حظّهم منها.
فكّر يا مفضّل في الأحلام كيف دبّر الأمر فيها، فمزّج صادقها بكاذبها، فإنّها لو كانت كلّها تصدق، لكان الناس كلّهم أنبياء، ولو كانت كلّها تكذب، لم يكن فيها منفعة بل كانت فضلاً لا معنى له. فصارت تصدق أحياناً فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدي إليها، أو مضرّة يتحذّر منها، وتكذب كثيراً لئلا يعتمد عليها كلّ الاعتماد.
فكّر في هذه الأشياء الّتي تراها موجودة معدّة في العالم من مآربهم. فالتراب للبناء، والحديد للصناعات، والخشب للسفن وغيرها، والحجارة للأرحاء وغيرها، والنحاس للأواني، والذهب والفضة للمعاملة، والجوهر للذخيرة، والحبوب للغذاء، والثمار للتفكّه، واللّحم للمأكل، والطيب للتلذّذ، والأدوية للتصحيح، والدوابّ للحمولة، والحطب للتوقّد، والرماد للكلس، والرمل للأرض، وكم عسى أن يحصي المحصي من هذا وشبهه. أرأيت لو أنّ داخلاً دخل داراً فنظر إلى خزائن مملوّة من كلّ ما يحتاج إليه الناس، ورأى كلّ ما فيها معدّاً لأسباب معروفة لكان يتوهّم أنّ مثل هذا يكون بالإهمال، ومن غير عمد؟ فكيف يستجيز قائل أن يقول هذا في العالم وما أعدّ فيه من الأشياء.
اعتبر يا مفضّل بأشياء خلقت لمآرب الإنسان وما فيها من التدبير. فإنّه خلق له الحبّ لطعامه، وكلّف طحنه وعجنه وخبزه. وخلق له الوبر لكسوته، فكلّف ندفه وغزله ونسجه. وخلق له الشجر، فكلّف غرسها وسقيها والقيام عليها. وخلقت له العقاقير لأدويته، فكلّف لقطها وخلطها وصنعها. وكذلك تجد سائر الأشياء على هذا المثال. فانظر كيف كفى الخلقة الّتي لم يكن عنده فيها حيلة، وترك عليه في كلّ شيء من الأشياء موضع عمل وحركة لما له في ذلك من الصلاح. لأنّه لو كفي هذا كلّه حتّى لا يكون له في الأشياء موضع شغل وعمل، لما حملته الأرض أشراً وبطراً، ولبلغ به كذلك إلى أن يتعاطى أموراً فيها تلف نفسه، ولو كفي الناس كلّ ما يحتاجون إليه، لما تهنّئوا بالعيش، ولا وجدوا له لذّة. ألا ترى لو أنّ امرءاً نزل بقوم فأقام حيناً بلغ جميع ما يحتاج إليه من مطعم ومشرب وخدمة لتبرّم بالفراغ، ونازعته نفسه إلى التشاغل بشيء؟ فكيف لو كان طول عمره لا يحتاج إلى شيء؟ وكان من صواب التدبير في هذه الأشياء الّتي خلقت للإنسان أن جعل له فيها موضع شغل لكيلا تبرمه البطالة، ولتكفّه عن تعاطي ما لا يناله، ولا خير فيه إن ناله.
واعلم يا مفضّل أنّ رأس معاش الإنسان وحياته الخبز والماء. فانظر كيف دبّر الأمر فيهما، فإنّ حاجة الإنسان إلى الماء أشدّ من حاجته إلى الخبز، وذلك أنّ صبره على الجوع أكثر من صبره على العطش، والّذي يحتاج إليه من الماء أكثر ممّا يحتاج إليه من الخبز، لأنّه يحتاج إليه لشربه ووضوئه وغسله وغسل ثيابه وسقي أنعامه وزرعه، فجعل الماء مبذولاً لا يشترى، لتسقط عن الإنسان المؤونة في طلبه وتكلّفه، وجعل الخبز متعذّراً لا ينال إلاّ بالحيلة والحركة ليكون للإنسان في ذلك شغل يكفّه عمّا يخرجه إليه الفراغ من الأشر والعبث. ألا ترى أنّ الصبيّ يدفع إلى المؤدّب وهو طفل لم يكمل ذاته للتعليم، كلّ ذلك ليشتغل عن اللّعب والعبث الّذين ربّما جنيا عليه وعلى أهله المكروه العظيم. وهكذا الإنسان لو خلا من الشغل لخرج من الأشر والبطر إلى ما يعظم ضرره عليه وعلى من قرب منه، واعتبر بمن نشأ في الجدة ورفاهية العيش والترفّه والكفاية وما يخرجه ذلك إليه.
اعتبر لم لا يتشابه الناس واحد بالآخر كما يتشابه الوحوش والطير وغير ذلك؟ فإنّك ترى السرب من الظباء والقطا تتشابه حتّى لا يفرّق بين واحد منها وبين الأخرى. وترى الناس مختلفة صورهم وخلقهم حتّى لا يكاد اثنان منهم يجتمعان في صفة واحدة. والعلّة في ذلك أنّ الناس محتاجون إلى أن يتعارفوا بأعيانهم وحلاهم لما يجري بينهم من المعاملات، وليس يجري بين البهائم مثل ذلك فيحتاج إلى معرفة كلّ واحد منها بعينه، ألا ترى أنّ التشابه في الطير والوحش لا يضرّهما شيئاً، وليس كذلك الإنسان فإنّه ربّما تشابه التوأمان تشابهاً شديداً فتعظم المؤونة على الناس في معاملتهما حتّى يعطى أحدهما بالآخر، ويؤخذ أحدهما بذنب الآخر. وقد يحدث مثل هذا في تشابه الأشياء فضلاً عن تشابه الصورة. فمن لطف لعباده بهذه الدقائق الّتي لا تكاد تخطر بالبال حتّى وقف بها على الصواب إلاّ من وسعت رحمته كلّ شيء؟ لو رأيت تمثال الإنسان مصوّراً على حائط فقال لك قائل: إنّ هذا ظهر ههنا من تلقاء نفسه، لم يصنعه صانع، أكنت تقبل ذلك؟ بل كنت تستهزئ به، فكيف تنكر هذا في تمثال مصوّر جماد، ولا تنكر في الإنسان الحيّ الناطق؟
لم صارت أبدان الحيوان وهي تغتذي أبداً لا تنمى، بل تنتهي إلى غاية من النمو ثمّ تقف ولا تتجاوزها لولا التدبير في ذلك؟ فإنّ من تدبير الحكيم فيها أن يكون أبدان كلّ صنف منها على مقدار معلوم غير متفاوت في الكبير والصغير. وصارت تنمي حتّى تصل إلى غايتها ثمّ يقف لا يزيد والغذاء مع ذلك دائم لا ينقطع، ولو كانت تنمي نموّا دائما لعظمت أبدانها واشتبهت مقاديرها، حتّى لا يكون لشيء منها حدّ يعرف.
لو كان الإنسان لا يصيبه ألم ولا وجع، بم كان يرتدع عن الفواحش ويتواضع لله ويتعطّف على الناس؟ أما ترى الإنسان إذا عرض له وجع خضع واستكان ورغب على ربّه في العافية وبسط يديه بالصدقة؟ ولو كان لا يألم من الضرب، بم كان السلطان يعاقب الدُعّار، ويذلّ العصاة المردة؟
لو لم يولد من الحيوان إلاّ ذكر فقط، أو إناث فقط، ألم يكن النسل منقطعاً، وباد مع ذلك أجناس الحيوان؟ فصار بعض الأولاد يأتي ذكوراً وبعضها إناثاً، ليدوم التناسل ولا ينقطع.
لم صار الرجل والمرأة إذا أدركا نبتت لهما العانة ثمّ نبتت اللّحية للرجل، وتخلّفت عن المرأة لولا التدبير في ذلك؟ فإنّه لمّا جعل الله تبارك وتعالى قيّماً ورقيباً على المرأة، وجعل المرأة عرساً وخولاً للرجل، أعطى الرجل اللّحية لما له من العزّة والجلالة والهيبة. ومنعها المرأة لتبقى لها نضارة الوجه والبهجة الّتي تشاكل المفاكهة والمضاجعة. أفلا ترى الخلقة كيف يأتي بالصواب في الأشياء وتتخلّل مواضع الخطأ، فتعطي وتمنع على قدر الإرب والمصلحة بتدبير الحكيم عزّ وجلّ؟
قال المفضّل: فلمّا كان اليوم الثاني بكّرت إلى مولاي فاستوذن لي فدخلت فأمرني بالجلوس فجلست، فقال: الحمد لله مدير الأدوار، ومعيد الأكوار طبقاً عن طبق، وعالماً بعد عالم، ليجزي الّذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الّذين أحسنوا بالحسنى، عدلاً منه تقدّست أسماؤه، وجلّت آلاؤه. لا يظلم الناس شيئاً ولكنّ الناس أنفسهم يظلمون، يشهد بذلك قوله جلّ قدسه:
"فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ 7 وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ 8"[1]

في نظائر لها  في كتابه الّذي فيه تبيان كلّ شيء، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ولذلك قال سيّدنا محمّد صلوات الله عليه وآله:"إنّما هي أعمالكم تردّ إليكم". ثمّ أطرق هنيهة ثمّ قال: يا مفضّل الخلق حيارى، عمهون سكارى، في طغيانهم يتردّدون، وبشياطينهم وطواغيتهم يقتدون، بصراء عمي لا يبصرون، نطقاء بكم لا يعقلون، سمعاء صمّ لا يسمعون، رضوا بالدون وحسبوا أنّهم مهتدون، حادوا عن مدرجة الأكياس، ورتعوا في مرعى الأرجاس الأنجاس، كأنّهم من مفاجأة الموت آمنون، وعن المجازات مزحزحون. يا ويلهم ما أشقاهم، وأطول غناءهم، وأشدّ بلاءهم، يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون إلاّ من رحم الله.
ثمّ قال: أبتدئ لك بذكر الحيوان ليتّضح لك من أمره ما وضح لك من غيره.
فكّر في أبنية أبدان الحيوان وتهيئتها على ما هي عليه، فلا هي صلاب كالحجارة، ولو كانت كذلك لا تنثني ولا تتصرّف في الأعمال، ولا هي على غاية اللّين والرخاوة فكانت لا تتحامل ولا تستقلّ بأنفسها، فجعلت من لحم رخو تنثني، تتداخله عظام صلاب، يمسكه عصب وعروق تشدّه بعضه إلى بعض، وغلّفت فوق ذلك بجلد يشتمل على البدن كلّه. ومن أشباه ذلك هذه التماثيل الّتي تعمل من العيدان، وتلفّ بالخرق، وتشدّ بالخيوط، ويطلى فوق ذلك بالصمغ، فيكون العيدان بمنزلة العظام، والخرق بمنزلة اللّحم، والخيوط بمنزلة العصب والعروق، والطلا بمنزلة الجلد. فإن جاز أن يكون الحيوان المتحرّك حدث بالإهمال من غير صانع، جاز أن يكون ذلك في هذه التماثيل الميّتة، فإن كان هذا غير جائز في التماثيل، فبالحريّ أن لا يجوز في الحيوان.
وفكّر بعد هذا في أجساد الأنعام فإنّها حين خلقت على أبدان الإنس من الّلحم والعظم والعصب، أعطيت أيضاً السمع والبصر ليبلغ الإنسان حاجته. فإنّها لو كانت عمياً صمّاً لما انتفع بها الإنسان، ولا تصرّفت في شيء من مآربه، ثمّ منعت الذهن والعقل لتذلّ للإنسان فلا تمتنع عليه إذا كدّها الكدّ الشديد، وحمّلها الحمل الثقيل.
فإن قال قائل: إنّه قد يكون للإنسان عبيد من الإنس يذلّون ويذعنون بالكدّ الشديد وهم مع ذلك غير عديمي العقل والذهن، فيقال في جواب ذلك: إنّ هذا الصنف من الناس قليل، فأمّا أكثر الناس فلا يذعنون بما تذعن به الدوابّ من الحمل والطحن وما أشبه ذلك. ثمّ لو كان الناس يزاولون مثل هذه الأعمال بأبدانهم لشغلوا بذلك عن سائر الأعمال، لأنّه كان يحتاج مكان الجمل الواحد، والبغل الواحد، إلى عدّة أناسيّ فكان هذا العمل يستفرغ الناس حتّى لا يكون فيهم عنه فضل لشيء من الصناعات، مع ما يلحقهم من التعب في أبدانهم، والضيق والكدّ في معاشهم.
فكّر يا مفضّل في هذه الأصناف الثلاثة من الحيوان، وفي خلقها على ما هي عليه بما فيه صلاح كلّ واحد منها، فالإنس لمّا قدروا أن يكونوا ذوي ذهن وفطنة وعلاج لمثل هذه الصناعات من البناء والتجارة والصياغة وغير ذلك، خلقت لهم أكفّ كبار ذوات أصابع غلاظ، ليتمكّنوا من القبض على الأشياء، وأوكدها هذه الصناعات. وآكلات اللّحم لمّا قدّر أن يكون معايشها من الصيد خلقت لهم أكفّ لطاف مدمجة ذوات براثن ومخاليب تصلح لأخذ الصيد، ولا تصلح للصناعات. وآكلات النبات لمّا قدّر أن يكونوا لا ذات صنعة، ولا ذات صيد، خلقت لبعض أظلاف تقيها خشونة الأرض إذا حاول طلب الرعي، ولبعضها حوافر ململمة ذوات قعر كأخمص القدم تنطبق على الأرض ليتهيّأ للركوب والحمولة. تأمّل التدبير في خلق آكلات اللّحم من الحيوان حين خلقت ذوات أسنان حداد، وبراثن شداد، وأشداق وأفواه واسعة، فإنّه لمّا قدّر أن يكون طعمها اللّحم خلقت خلقة تشاكل ذلك، وأعينت بسلاح وأدوات تصلح للصيد، وكذلك تجد سباع الطير ذوات مناقير ومخاليب مهيأة لفعلها. ولو كانت الوحوش ذوات مخالب كانت قد أعطيت ما لا تحتاج إليه، لأنّها لا تصيد ولا تأكل اللّحم، ولو كانت السباع ذوات أظلاف كانت قد منعت ما تحتاج إليه، أعني السلاح الّذي به تصيد وتتعيّش. أفلا ترى كيف أعطي كلّ واحد من الصنفين ما يشاكل صنفه وطبقته، بل ما فيه بقاؤه وصلاحه.
انظر الآن إلى ذوات الأربع كيف تراها تتّبع أمّهاتها بأنفسها لا تحتاج إلى الحمل والتربية كما تحتاج أولاد الإنس. فمن أجل أنّه ليس عند أمّهاتها ما عند أمّهات البشر من الرفق والعلم بالتربية والقوّة عليها بالأكفّ والأصابع المهيأة لذلك، أعطيت النهوض والاستقلال بأنفسها، وكذلك ترى كثيرا من الطير كمثل الدجاج والدرّاج ينقل بعض قوائمه وتلقط حين ينقاب عنها البيض. فأمّا ما كان منها ضعيفاً لا نهوض فيه، كمثل فراخ الحمام واليمام، فقد جعل في الأمّهات فضل عطف عليها، فصارت تمجّ الطعام في أفواهها بعد ما توعيه حواصلها، فلا تزال تغذوها حتّى تستقلّ بأنفسها، ولذلك لم ترزق الحمام فراخاً كثيرة مثل ما ترزق الدجاج، لتقوى الأمّ على تربية فراخها، فلا تفسد ولا تموت. فكلّ أعطي بقسط من تدبير الحكيم اللّطيف الخبير.
انظر إلى قوائم الحيوان كيف تأتي أزواجا لتتهيّأ للمشي، ولو كانت أفراداً لم تصلح لذلك لأنّ الماشي ينقل قوائمه ويعتمد على بعض. فذو القائمين ينقل واحدة، وذو الأربع ينقل اثنين ويعتمد على اثنين، وذلك من خلاف لأنّ ذا الأربع لو كان ينقل قائمتين من أحد جانبيه ويعتمد على قائمتين من الجانب الآخر لما يثبت على الأرض كما لا يثبت السرير وما أشبهه. فصار ينقل اليمنى من مقاديمه مع اليسرى من مآخيره، وينقل الأخريين أيضاً من خلاف فيثبت على الأرض ولا يسقط إذا مشى.
أما ترى الحمار كيف يذلّ للطحن وهو يرى الفرس مودعاً منعّماً، والبعير لا يطيقه عدّة رجال لو استعصى، كيف كان ينقاد للصبيّ؟ والثور الشديد كيف كان يذعن لصاحبه حتّى يضع النير على عنقه ويحرث به؟ والفرس الكريم يركب السيوف والأسنّة بالمواتاة لفارسه، والقطيع من الغنم يرعاه رجل واحد، ولو تفرّقت الغنم فأخذ كلّ واحد منها ناحية لم يلحقها، وكذلك جميع الأصناف مسخّرة للإنسان، فبم كانت كذلك؟
يا مفضّل تأمّل وجه الدابّة كيف هو، ترى العينين شاخصتين أمامها لتبصر ما بين يديها لئلا تصدم حائطاً أو تتردى في حفرة، وترى الفم مشقوقاً شقاً في أسفل الخطم، ولو شقّ كمكان الفم من الإنسان في مقدّم الذقن لما استطاع أن يتناول به شيئاً من الأرض. ألا ترى أنّ الإنسان لا يتناول الطعام بفيه ولكن بيده تكرمة له على سائر الآكلات؟ فلمّا لم يكن للدابّة يد تتناول بها العلف، جعل خطمها مشقوقاً من أسفله لتقبض على العلف، ثمّ  تقضمه، وأعينت بالجحفلة تتناول بها ما قرب وما بعد.
تأمّل مشفر الفيل وما فيه من لطيف التدبير، فإنّه يقوم مقام اليد في تناول العلف والماء وازدرادهما إلى جوفه، ولولا ذلك ما استطاع أن يتناول شيئاً من الأرض لأنّه ليست له رقبة يمدّها كسائر الأنعام، فلمّا عدم العنق أعين مكان ذلك بالخرطوم الطويل ليسدله فيتناول به حاجته. فمن ذا الّذي عوّضه مكان العضو الّذي عدمه ما يقوم مقامه إلاّ الرّؤوف بخلقه؟ وكيف يكون هذا بالإهمال كما قال من ظلم نفسه؟
فإن قال قائل: فما باله لم يخلق ذا عنق كسائر الأنعام؟ قيل له: إنّ رأس الفيل وأذنيه أمر عظيم وثقل ثقيل، ولو كان ذلك على عنق عظيمة لهدّها وأوهنها، فجعل رأسه ملصقا بجسمه لكيلا ينال منه ما وصفنا، وخلق له مكان العنق هذا المشفر ليتناول به غذاءه، فصار مع عدمه العنق مستوفياً ما فيه بلوغ حاجته.
فكّر في خلق الزرافة واختلاف أعضائها وشبهها بأعضاء أصناف من الحيوان. فرأسها رأس فرس، وعنقها عنق جمل، وأظلافها أظلاف بقرة، وجلدها جلد نمر، وزعم ناس من الجهّال بالله عزّ وجلّ أنّ نتاجها من فحول شتّى! وهذا جهل من قائله وقلّة معرفة بالبارئ جلّ قدسه، وليس كلّ صنف من الحيوان يلقحّ كلّ صنف، فلا الفرس يلقحّ الجمل، ولا الجمل يلقحّ البقر، وإنّما يكون التلقيح من بعض الحيوان فيما يشاكله ويقرب من خلقه، كما يلقح الفرس الحمارة فيخرج من بينهما البغل، ويلقح الذئب الضبع فيخرج بينهما السمع، على أنّه ليس يكون في الّذي يخرج من بينهما عضو من كلّ واحد منهما كما في الزرافة عضو من الفرس، وعضو من الجمل، وأظلاف من البقرة. بل يكون كالمتوسّط بينهما، الممتزج منهما، كالّذي تراه في البغل، فإنّك ترى رأسه وأذنيه وكفله وذنبه وحوافره وسطاً بين هذه الأعضاء من الفرس والحمار، وشحيجه كالممتزج من صهيل الفرس ونهيق الحمار. فهذا دليل على أنّه ليست الزرافة من لقاح أصناف شتّى من الحيوان كما زعم الجاهلون، بل هي خلق عجيب من خلق الله للدلالة على قدرته الّتي لا يعجزها شيء. وليعلم أنّه خالق أصناف الحيوان كلّها، يجمع بين ما يشاء من أعضائها في أيّها شاء، ويفرّق ما شاء منها في أيّها شاء، ويزيد في الخلقة ما شاء، وينقص منها ما شاء، دلالة على قدرته على الأشياء، وأنّه لا يعجزه شيء أراده جلّ وتعالى. فأمّا طول عنقها والمنفعة لها في ذلك فإنّ منشأها و مرعاها في غياطل ذوات أشجار شاهقة ذاهبة طولاً في الهواء، فهي تحتاج إلى طول العنق لتتناول بفيها أطراف تلك الأشجار فتتقوّت من ثمارها.
تأمّل القرد وشبهه بالإنسان في كثير من أعضائه، أعني الرأس والوجه والمنكبين والصدر، وكذلك أحشاؤه شبيهة بأحشاء الإنسان، وخصّ من ذلك بالذهن والفطنة الّتي بها يفهم عن سائسه ما يومي إليه، ويحكي كثيراً ممّا يرى الإنسان يفعله حتّى أنّه يقرب من خلق الإنسان وشمائله في التدبير في خلقته على ما هي عليه أن يكون عبرة للإنسان في نفسه فيعلم أنّه من طينة البهائم وسنخها، إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب، وأنّه لولا فضيلة فضّله الله بها في الذهن والعقل والنطق كان كبعض البهائم على أنّ في جسم القرد فضولاً أخرى يفرق بينه وبين الإنسان، كالخطم والذنب المسدل والشعر المجلّل للجسم كلّه، وهذا لم يكن مانعاً للقرد أن يلحق بالإنسان لو أعطي مثل ذهن الإنسان وعقله ونطقه، والفصل الفاصل بينه وبين الإنسان بالصحّة هو النقص في العقل والذهن والنطق.
انظر يا مفضّل إلى لطف الله جلّ اسمه بالبهائم كيف كسيت أجسامهم هذه الكسية من الشعر والوبر والصوف ليقيها من البرد وكثرة الآفات، وألبست قوائمها الأظلاف والحوافر والأخفاف ليقيها من الحفا، إذ كانت لا أيدي لها ولا أكفّ ولا أصابع مهيّأة للغزل والنسج، فكفوا بأن جعل كسوتهم في خلقتهم باقية عليهم ما بقوا، لا يحتاجون إلى تجديدها والاستبدال بها. فأمّا الإنسان فإنّه ذو حيلة وكفّ مهيّأة للعمل، فهو ينسج ويغزل ويتّخذ لنفسه الكسوة، ويستبدل بها حالا بعد حال. وله في ذلك صلاح من جهات، من ذلك: أنّه يشتغل بصنعة اللّباس عن العبث وما يخرجه إليه الكفاية. ومنها: أنّه يستريح إلى خلع كسوته إذا شاء ولبسها إذا شاء. ومنها: أن يتّخذ لنفسه من الكسوة ضروباً لها جمال وروعة فيتلذّذ بلبسها وتبديلها. وكذلك يتّخذ بالرفق من الصنعة ضرباً من الخفاف والنعال يقي بها قدميه، وفي ذلك معايش لمن يعمله من الناس، ومكاسب يكون فيها معاشهم، ومنها أقواتهم وأقوات عيالهم. فصار الشعر والوبر والصوف يقوم للبهائم مقام الكسوة، والأظلاف والحوافر والأخفاف مقام الحذاء.
انظر يا مفضّل إلى النمل واحتشادها في جمع القوت وأعدادها، فإنّك ترى الجماعة منها إذا نقلت الحبّ إلى زبيتها بمنزلة جماعة من الناس ينقلون الطعام أو غيره، بل للنمل في ذلك من الجدّ والتشمير ما ليس للناس مثله، أما تراهم يتعاونون على النقل كما يتعاون الناس على العمل؟ ثمّ يعمدون إلى الحبّ فيقطعونه لكيلا ينبت فيفسد عليهم، فإن أصابه ندى أخرجوه فنشروه حتّى يجفّ. ثمّ لا يتّخذ النمل الزبية إلاّ في نشر من الأرض كي لا يفيض السيل فيغرقها. فكلّ هذا منه بلا عقل ولا رويّة، بل خلقة خلق عليها لمصلحة لطفاً من الله عزّ وجلّ.
تأمّل يا مفضّل جسم الطائر وخلقته فإنّه حين قدّر أن يكون طائراً في الجوّ خفّف جسمه وأدمج خلقه، فاقتصر به من القوائم الأربع على اثنتين، ومن الأصابع الخمس على أربع، ومن منفذين للزبل والبول على واحد يجمعهما. ثمّ خلق ذا جؤجؤ محدّد ليسهل عليه أن يخرق الهواء كيف ما أخذ فيه، كما هي السفينة بهذه الهيئة لتشقّ الماء وتنفذ فيه. وجعل في جناحيه وذنبه ريشات طوال متان لينهض بها للطيران. وكسي كلّه الريش ليداخله الهواء فيقلّه، ولمّا قدّر أن يكون طعمه الحبّ واللّحم يبلعه بلعاً بلا مضغ، نقص من خلقه الأسنان، وخلق له منقار صلب جاس يتناول به طعمه فلا ينسجح من لقط الحبّ، ولا يتقصّف من نهش اللّحم. ولمّا عدم الأسنان وصار يزدرد الحبّ صحيحاً واللّحم غريضاً أُعِينَ بفضل حرارة في الجوف تطحن له الطعم طحناً يستغني به عن المضغ. واعتبر ذلك بأنّ عجم العنب وغيره يخرج من أجواف الإنس صحيحاً، ويطحن في أجواف الطيور لا يرى له أثر. ثمّ جعل مما يبيض بيضاً ولا يلد ولادة، لكيلا يثقل عن الطيران فإنّه لو كانت الفراخ في جوفه تمكث حتّى تستحكم لأثقلته وعاقته عن النهوض والطيران، فجعل كلّ شيء من خلقه مشاكلاً للأمر الّذي قدّر أن يكون عليه. ثمّ صار الطائر السائح في هذا الجوّ يقعد على بيضه فيحضنه أسبوعاً، وبعضها أسبوعين، وبعضها ثلاثة أسابيع، حتّى يخرج الفرخ من البيضة، ثمّ يقبل عليه فيزقّه الريح لتتّسع حوصلته للغذاء، ثمّ يربّيه ويغذّيه بما يعيش به. فمن كلّفه أن يلقط الطعم ويستخرجه بعد أن يستقرّ في حوصلته ويغذو به فراخه؟ ولأيّ معنى يحتمل هذه المشقّة وليس بذي رويّة ولا تفكّر؟ ولا يأمل في فراخه ما يأمل الإنسان في ولده من العزّ والرفد وبقاء الذكر؟ فهذا هو فعل يشهد بأنّه معطوف على فراخه، لعلّه لا يعرفها ولا يفكّر فيها، وهي دوام النسل وبقاؤه لطفاً من الله تعالى ذكره.
تأمّل ريش الطير كيف هو؟ فإنّك تراه منسوجاً كنسج الثوب من سلوك دقاق قد ألّف بعضه إلى بعض كتأليف الخيط إلى الخيط، والشعرة إلى الشعرة. ثمّ ترى ذلك النسج إذا مددته ينفتح قليلاً ولا ينشقّ لتداخله الريح فيقلّ الطائر إذا طار، وترى في وسط الريشة عموداً غليظاً متيناً قد نسج عليه الّذي هو مثل الشعر ليمسكه بصلابته، وهو القصبة الّتي هو في وسط الريشة، وهو مع ذلك أجوف ليخفّ على الطائر ولا يعوقه عن الطيران.
هل رأيت يا مفضّل هذا الطائر الطويل الساقين؟ وعرفت ما له من المنفعة في طول ساقيه؟ فإنّه أكثر ذلك من ضحضاح من الماء، فتراه بساقين طويلتين كأنّه ربئة فوق مرقب، وهو يتأمّل ما يدبّ في الماء، فإذا رأى شيئا ممّا يتقوّت به خطا خطوات رقيقات حتّى يتناوله. ولو كان قصير الساقين وكان يخطو نحو الصيد ليأخذه يصيب بطنه الماء فيثور ويذعر منه فيتفرّق عنه. فخلق له ذلك العمودان ليدرك بهما حاجته ولا يفسد عليه مطلبه.
تأمّل ضروب التدبير في خلق الطائر فإنّك تجد كلّ طائر طويل الساقين طويل العنق، وذلك ليتمكّن من تناول طعمه من الأرض، وربّما أعين مع طول العنق بطول المناقير ليزداد الأمر عليه سهولة له وإمكاناً. أفلا ترى أنّك لا تفتّش شيئاً من الخلقة إلاّ وجدته على غاية الصواب والحكمة؟
انظر إلى العصافير كيف تطلب أكلها بالنهار فهي لا تفقده؟ ولا هي تجده مجموعا معدّاً، بل تناله بالحركة والطلب، وكذلك الخلق كلّه فسبحان من قدّر الرزق كيف قدّره؟ فلم يجعل ممّا لا يقدر عليه، إذ جعل للخلق حاجة إليه ولم يجعله مبذولاً وينال بالهوينا، إذ كان لا صلاح في ذلك فإنّه لو كان يوجد مجموعاً معدّاً، كانت البهائم تتقلّب عليه ولا تنقلع حتّى تبشم فتهلك، وكان الناس أيضاً يصيرون بالفراغ إلى غاية الأشر والبطر عليه حتّى يكثر الفساد وتظهر الفواحش.
أعلمت ما طعم هذه الأصناف الّتي لا تخرج إلاّ باللّيل كمثل البوم والهام والخفّاش؟ قلت: لا يا مولاي، قال: إنّ معاشها من ضروب تنتشر في هذا الجوّ من البعوض والفراش والجراد واليعاسيب. وذلك أنّ هذه الضروب مبثوثة في الجوّ لا يخلو منها موضع.
فانظر كيف وجّه الرزق لهذه الطيور الّتي لا تخرج إلاّ باللّيل من هذه الضروب المنتشرة في الجوّ. واعرف مع ذلك المعنى في خلق هذه الضروب المنتشرة الّتي عسى أن يظنّ ظانّ أنّها فضل لا معنى له. خلق الخفّاش خلقة عجيبة، بين خلقة الطير وذوات الأربع أقرب، وذلك أنّه ذو أذنين ناشزتين وأسنان ووبر، وهو يلد ويرضع ويبول ويمشي إذا مشى على أربع، وكلّ هذا خلاف صفة الطير. ثمّ هو أيضاً ممّا يخرج باللّيل ويتقوّت ممّا يسري في الجوّ من الفراش وما أشبه. وليس في الخلقة شيء لا معنى له، وأمّا المآرب فيه فمعروفة، ومن أعظم الإرب فيه خلقته العجيبة الدالّة على قدرة الخالق جلّ شأنه. اعتبر بهذا وكثير من الأشياء تكون فيها منافع لا تعرف إلاّ بحادث يحدث به أو خبر يسمع به.
انظر إلى النحل واحتشاده في صنعة العسل، وتهيئة البيوت المسدّسة وما ترى في ذلك اجتماعه من دقائق الفطنة. فإنّك إذا تأمّلت العمل رأيته عجيباً لطيفاً، وإذا رأيت المعمول وجدته عظيماً شريفاً موقعه من الناس، وإذا رجعت إلى الفاعل ألفيته جاهلاً بنفسه فضلاً عمّا سوى ذلك، ففي هذا أوضح الدلالة على أنّ الصواب والحكمة في هذه الصنعة ليس للنحل، بل هي للّذي طبعه عليها وسخّره فيها لمصلحة الناس.
تأمّل خلق السمك ومشاكلته للأمر الّذي قدّر أن يكون عليه. فإنّه خلق غير ذي قوائم لأنّه لا يحتاج إلى المشي إذ كان مسكنه الماء. وخلق غير ذي ريّة لأنّه لا يستطيع أن يتنفّس وهو منغمس في اللّجّة. وجعلت له مكان القوائم أجنحة شداد يضرب بها في جانبيه كما يضرب الملاّح بالمجاديف من جانبي السفينة. وكسى  جسمه قشوراً متاناً متداخلة كتداخل الدروع والجواشن لتقيه من الآفات، فأعين بفضل حسّ في الشمّ، لأنّ بصره ضعيف والماء يحجبه، فصار يشمّ الطعم من البعد البعيد فينتجعه، وإلاّ فكيف يعلم به وبموضعه؟ واعلم أنّ من فيه إلى صماخيه منافذ فهو يعبّ الماء بفيه، ويرسله من صماخيه فتروّح إلى ذلك كما يتروّح غيره من الحيوان إلى تنسّم هذا النسيم.
فكّر الآن في كثرة نسله وما خصّ به ذلك، فإنّك ترى في جوف السمكة الواحدة من البيض ما لا يحصى كثرة، والعلّة في ذلك أن يتّسع لما يغتذي به من أصناف الحيوان، فإنّ أكثرها يأكل السمك، حتّى أنّ السباع أيضاً في حافات الآجام عاكفة على الماء أيضاً كي ترصد السمك، فإذا مرّ بها خطفته. فلمّا كانت السباع تأكل السمك، والطير يأكل السمك، والناس يأكلون السمك، والسمك يأكل السمك، كان من التدبير أن يكون على ما هو عليه من الكثرة.
فإذا أردت أن تعرف سعة حكمة الخالق وقصر علم المخلوقين، فانظر إلى ما في البحار من ضروب السمك، ودوابّ الماء والأصداف، والأصناف الّتي لا تحصى ولا تعرف منافعها إلاّ الشّيء بعد الشّيء يدركه الناس بأسباب تحدث.
قال المفضّل: فلمّا كان اليوم الثالث بكّرت إلى مولاي، فاستوذن لي فدخلت، فأذن لي بالجلوس فجلست، وبعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه، قال عليه السّلام: قد شرحت لك يا مفضّل خلق الإنسان وما دبّر به وتنقّله في أحواله وما فيه من الاعتبار، وشرحت لك أمر الحيوان، وأنا ابتدئ الآن بذكر السماء والشمس والقمر والنجوم والفلك واللّيل والنهار والحرّ والبرد والرياح والجواهر الأربعة: الأرض والماء والهواء والنّار، والمطر والصخر والطّين والحجارة والمعادن والنبات والنخل والشجر، وما في ذلك من الأدلة والعبر.
فكّر في لون السماء وما فيه من صواب التدبير. فإنّ هذا اللون أشدّ الألوان موافقة للبصر وتقوية له، حتّى أنّ من صفات الأطبّاء لمن أصابه شيء أضرّ ببصره، إدمان النظر إلى الخضرة وما قرب منها إلى السواد. فانظر كيف جعل الله جلّ وتعالى أديم السماء بهذا اللّون الأخضر إلى السواد ليمسك الأبصار المنقلبة عليه فلا ينكأ فيها بطول مباشرتها له، فصار هذا الّذي أدركه الناس بالفكر والرويّة والتجارب يوجد مفروغاً منه في الخلقة حكمة بالغة ليعتبر بها المعتبرون.
فكّر يا مفضّل في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي النّهار واللّيل. فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كلّه، فلم يكن الناس يسعون في معايشهم ويتصرّفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم، ولم يكونوا يتهنّؤون بالعيش مع فقدهم لذّة النور وروحه. والإرب في طلوعها ظاهر مستغن بظهوره عن الإطناب في ذكره والزيادة في شرحه، بل تأمّل المنفعة في غروبها. فلولا غروبها لم يكن للناس هدء ولا قرار مع عظم حاجتهم إلى الهدء والراحة ولسكون أبدانهم وجموم حواسّهم، وانبعاث القوّة الهاضمة لهضم الطعام، وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، ثمّ كان الحرص يستحملهم من مداومة العمل ومطاولته على ما يعظم نكايته في أبدانهم، فإنّ كثيراً من الناس لولا جثوم هذا اللّيل لظلمته عليهم لم يكن لهم هدء ولا قرار حرصاً على الكسب والجمع والإدّخار. ثمّ كانت الأرض تستحمي بدوام الشمس بضيائها، ويحمي كلّ ما عليها من حيوان ونبات. فقدّرها الله بحكمته وتدبيره تطلع وقتاً وتغرب وقتاً بمنزلة سراج يرفع لأهل البيت تارة ليقضوا حوائجهم، ثمّ يغيب عنهم مثل ذلك ليهدؤوا ويقرّوا، فصار النّور والظلمة مع تضادّهما منقادين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه.
ثمّ فكّر بعد هذا في ارتفاع الشمس وانحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من التدبير والمصلحة. ففي الشتاء تعود الحرارة في الشجر والنبات فيتولّد فيهما موادّ الثمار، ويستكثف الهواء فينشأ منه السحاب والمطر، وتشدّ أبدان الحيوان وتقوى، وفي الربيع تتحرّك وتظهر الموادّ المتولّدة في الشتاء فيطلع النبات، وتنوّر الأشجار، ويهيج الحيوان للسفاد، وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار، وتتحلّل فضول الأبدان، ويجفّ وجه الأرض فتهيّأ للبناء والأعمال، وفي الخريف يصفو الهواء، وترتفع الأمراض، وتصحّ الأبدان، ويمتدّ اللّيل فيمكن فيه بعض الأعمال لطوله، ويطيب الهواء فيه إلى مصالح أخرى لو تقصّيت لذكرها لطال فيها الكلام.
فكّر الآن في تنقّل الشمس في البروج الاثني عشر لإقامة دور السنة، وما في ذلك من التدبير، فهو الدور الّذي تصحّ به الأزمنة الأربعة من السنة: الشتاء، والربيع، والصيف، والخريف. ويستوفيها على التمام، وفي هذا المقدار من دوران الشمس تدرك الغلاّت والثمار، وتنتهي إلى غاياتها، ثمّ تعود فيستأنف النشوء والنموّ. ألا ترى السنة مقدار مسير الشمس من الحمل إلى الحمل، فبالسنة وأخواتها يكال الزمان من لدن الله تعالى العالم إلى كلّ وقت وعصر من غابر الأيّام، وبها يحسب الناس الأعمال والأوقات الموقّتة للديون والإجارات والمعاملات وغير ذلك من أمورهم. وبمسير الشمس تكمل السنة، ويقوم حساب الزمان على الصحّة.
انظر على شروقها على العالم كيف دبّر أن يكون، فإنّها لو كانت تبزغ في موضع من السماء فتقف لا تعدوه، لما وصل شعاعها ومنفعتها إلى كثير من الجهات. لأنّ الجبال والجدران كانت تحجبها عنها، فجعلت تطلع أوّل النهار من المشرق، فتشرق على ما قابلها من وجه الغروب، ثمّ لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتّى ينتهي إلى المغرب، فتشرق على ما استتر عنها في أوّل النهار، فلا يبقى موضع من المواضع إلاّ أخذ بقسطه من المنفعة، والإرب الّتي قدّرت له. ولو تخلّفت مقدار عام أو بعض عام، كيف كان يكون حالهم؟ بل كيف كان يكون لهم مع ذلك بقاء؟ أفلا يرى الناس كيف هذه الأمور الجليلة الّتي لم تكن عندهم فيها حيلة؟ فصارت تجري على مجاريها لا تعتلّ ولا تتخلّف عن مواقيتها لصلاح العالم وما فيه بقاؤه.
استدلّ بالقمر ففيه دلالة جليلة تستعملها العامّة في معرفة الشهور، ولا يقوم عليه حساب السنة، لأنّ دورته لا تستوفي الأزمنة الأربعة ونشوء الثمار وتصرّمها، ولذلك صارت شهور القمر وسنوه تتخلّف عن شهور الشمس وسنينها، وصار الشهر من شهور القمر ينتقل فيكون مرّة بالشتاء ومرّة بالصيف.
فكّر في إنارته في ظلمة اللّيل والإرب في ذلك، فإنّه مع الحاجة إلى هذه الظلمة لهدء الحيوان وبرد الهواء على النبات لم يكن صلاح في أن يكون اللّيل ظلمة داجية لا ضياء فيها فلا يمكن فيه شيء من العمل، لأنّه ربّما احتاج الناس إلى العمل باللّيل لضيق الوقت عليهم في تقصّي الأعمال بالنهار أو لشدّة الحر وإفراطه. فيعمل في ضوء القمر أعمالا شتّى، كحرث الأرض، وضرب اللّبن، وقطع الخشب، وما أشبه ذلك. فجعل ضوء القمر معونة للناس على معايشهم إذا احتاجوا إلى ذلك، وأنسا للسائرين. وجعل طلوعه في بعض اللّيل دون بعض، ونقص مع ذلك من نور الشمس وضيائها لكيلا تنبسط الناس في العمل انبساطه بالنهار، ويمتنعوا من الهدء والقرار فيهلكهم ذلك، وفي تصرّف القمر خاصّة في تهلّله ومحاقه وزيادته ونقصانه وكسوفه من التنبيه على قدرة الله خالقه المصرّف له هذا التصريف لصلاح العالم ما يعتبر به المعتبرون.
فكّر يا مفضّل في النجوم واختلاف مسيرها، فبعضها لا تفارق مراكزها من الفلك، ولا تسير إلاّ مجتمعة، وبعضها مطلقة تنتقل في البروج وتفترق في مسيرها، فكلّ واحد منها يسير سيرين مختلفين: أحدهما عامّ مع الفلك نحو الغرب، والآخر خاصّ لنفسه نحو المشرق، كالنملة الّتي تدور على الرحى تدور ذات اليمين والنملة تدور ذات الشمال والنملة في تلك تتحرّك حركتين مختلفتين: إحديهما بنفسها فتتوجّه أمامها، والأخرى مستكرهة مع الرحى تجذبها إلى خلفها. فاسأل الزاعمين أنّ النجوم صارت على ما هي عليه بالإهمال من غير عمد ولا صانع لها ما منعها أن تكون كلّها راتبة؟ أو تكون كلّها منتقلة؟ فإنّ الإهمال معنى واحد فكيف صار يأتي بحركتين مختلفتين على وزن وتقدير؟ ففي هذا بيان أنّ مسير الفريقين على ما يسيران عليه بعمد وتدبير وحكمة وتقدير، وليس بإهمال كما يزعم.
أرأيت لو كانت الشمس والقمر والنجوم بالقرب منّا حتّى يتبيّن لنا سرعة سيرها بكنه ما هي عليه، ألم تكن ستخطف الأبصار بوهجها وشعاعها؟ كالّذي يحدث أحياناً من البروق إذا توالت واضطرمت في الجوّ، وكذلك أيضاً لو أنّ أناساً كانوا في قبّة مكلّلة بمصابيح تدور حولهم دوراناً حثيثاً لحارت أبصارهم حتّى يخرّوا لوجوههم. فانظر كيف قدّر أن يكون مسيرها في البعد البعيد لكيلا تضرّ في الأبصار وتنكأ فيها، وبأسرع السرعة لكيلا تتخلّف عن مقدار الحاجة في مسيرها، وجعل فيها جزء يسير من الضوء ليسدّ مسدّ الأضواء إذا لم يكن قمر، ويمكن فيه الحركة إذا حدثت ضرورة كما قد يحدث الحادث على المرء فيحتاج إلى التجافي في جوف اللّيل. وإن لم يكن شيء من الضوء يهتدي به لم يستطع أن يبرح مكانه فتأمّل اللّطف والحكمة في هذا التقدير حين جعل للظلمة دولة ومدّة لحاجة إليها، وجعل خلالها شيء من الضوء للمآرب الّتي وصفنا.
فكّر يا مفضّل في مقادير اللّيل والنهار كيف وقعت على ما فيه صلاح هذا الخلق، فصار منتهى كلّ واحد منهما إذا امتدّ إلى خمس عشرة ساعة لا يجاوز ذلك. أفرأيت لو كان النهار يكون مقداره مئة ساعة، أو مئتي ساعة، ألم يكن في ذلك بوار كلّ ما في الأرض من حيوان ونبات؟
أمّا الحيوان فكان لا يهدأ ولا يقرّ طول هذه المدّة، ولا البهائم كانت تمسك عن الرعي لو دام لها ضوء النّهار، ولا الإنسان كان يفتر عن العمل والحركة، وكان ذلك سيهلكها أجمع ويؤدّ بها إلى التلف. وأمّا النبات فكان يطول عليه حرّ النهار ووهج الشّمس حتّى يجفّ ويحترق. وكذلك اللّيل لو امتدّ مقدار هذه المدّة كان يعوّق أصناف الحيوان عن الحركة والتصرّف في طلب المعاش حتّى تموت جوعاً، وتخمد الحرارة الطبيعية من النبات حتّى يعفن ويفسد، كالّذي تراه يحدث على النبات إذا كان في موضع لا تطلع عليه الشمس.
اعتبر بالحرّ والبرد كيف يتعاوران العالم، ويتصرّفان هذا التصرّف من الزيادة والنقصان والاعتدال لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما فيهما من المصالح، ثمّ هما بعد دباغ الأبدان الّتي عليها بقاؤها وفيها صلاحها، فإنّه لولا الحرّ والبرد وتداولهما الأبدان لفسدت وأخوت وانتكثت.
فكّر في دخول أحدهما على الآخر بهذا التدريج والترسّل، فإنّك ترى أحدهما ينقص شيئا بعد شيء، والآخر يزيد مثل ذلك حتّى ينتهي كلّ واحد منهما منتهاه في الزيادة والنقصان. ولو كان دخول إحديهما على الأخرى مفاجأة لأضرّ ذلك بالأبدان وأسقمها كما أنّ أحدكم لو خرج من حمّام حارّ إلى موضع البرودة لضرّه ذلك وأسقم بدنه. فلم جعل الله عزّ وجلّ هذا الترسّل في الحرّ والبرد إلاّ للسلامة من ضرر المفاجأة؟ ولم جرى الأمر على ما فيه السلامة من ضرّ المفاجأة لولا التدبير في ذلك؟ لولا الحرّ لما كانت الثمار الجاسية المرّة تنضج فتلين وتعذب حتّى يتفكّه بها رطبة ويابسة. ولولا البرد لما كان الزرع يفرخ هكذا، ويريع الريع الكثير الّذي يتّسع للقوت وما يرد في الأرض للبذر. أفلا ترى ما في الحرّ والبرد من عظيم الغناء والمنفعة وكلاهما من غنائه، والمنفعة فيه يؤلم الأبدان ويمضّها، وفي ذلك عبرة لمن فكّر، ودلالة على أنّه من تدبير الحكيم في مصلحة العالم وما فيه.
وأنبّهك يا مفضّل على الريح وما فيها، ألست ترى ركودها إذا ركدت كيف يحدث الكرب الّذي يكاد أن يأتي على النفوس، ويحرّض الأصحّاء وينهك المرضى، ويفسد الثمار، ويعفّن البقول، ويعقّب الوباء في الأبدان، والآفة في الغلاّت؟ ففي هذا بيان أنّ هبوب الريح من تدبير الحكيم في صلاح الخلق.
وأنبّهك عن الهواء بخلّة أخرى فإنّ الصوت أثر يؤثّره اصطكاك الأجسام في الهواء، والهواء يؤدّيه إلى المسامع، والناس يتكلمون في حوائجهم ومعاملاتهم طول نهارهم وبعض ليلهم، فلو كان أثر هذا الكلام يبقى في الهواء كما يبقى الكتاب في القرطاس لامتلأ العالم منه، فكان يكربهم ويفدحهم، وكانوا يحتاجون في تجديده والاستبدال به إلى أكثر ممّا يحتاج إليه في تجديد القراطيس، لأنّ ما يلقى من الكلام أكثر ممّا يكتب، فجعل الخلاّق الحكيم جلّ قدسه هذا الهواء قرطاساً خفيّاً يحمل الكلام ريثما يبلغ العالم حاجتهم ثمّ يمحى فيعود جديداً نقيّاً، ويحمل ما حمل أبداً بلا انقطاع. وحسبك بهذا النسيم المسمّى "هواء" عبرة وما فيه من المصالح، فإنّه حياة هذه الأبدان والممسك لها من داخل بما تستنشق منه، ومن خارج بما تباشر من روحه، وفيه تطّرد هذه الأصوات فيؤدّي بها من البعد البعيد، وهو الحامل لهذه الأراييح ينقلها من موضع إلى موضع. ألا ترى كيف تأتيك الرائحة من حيث تهبّ الريح فكذلك الصوت، وهو القابل لهذا الحرّ والبرد اللّذين يتعاقبان على العالم لصلاحه، ومنه هذه الريح الهابّة.
فالريح تروّح عن الأجسام، وتزجي السحاب من موضع إلى موضع ليعمّ نفعه حتّى يستكثف فيمطر، وتفضّه حتّى يستخفّ فيتفشّى، وتلقح الشجر، وتسير السفن، وتبرّد الماء، وتشبّ النار، وتجفّف الأشياء النديّة، وبالجملة أنّها تحيي كلّما في الأرض، فلولا الريح لذوى النبات، ومات الحيوان، وحمت الأشياء وفسدت.
فكّر يا مفضّل فيما خلق الله عزّ وجلّ عليه هذه الجواهر الأربعة ليتّسع ما يحتاج إليه منها، فمن ذلك سعة هذه الأرض وامتدادها. فلولا ذلك كيف كانت تتّسع لمساكن الناس ومزارعهم ومراعيهم ومنابت أخشابهم وأحطابهم، والعقاقير العظيمة، والمعادن الجسيمة غناؤها، ولعلّ من ينكر هذه الفلوات الخاوية، والقفار الموحشة، فيقول: ما المنفعة فيها؟ فهي مأوى الوحوش ومحالّها ومرعاها، ثمّ فيها بعد متنفّس ومضطرب للناس إذا احتاجوا إلى الاستبدال بأوطانهم. فكم بيداء وفدفد حالت قصوراً وجناناً بانتقال الناس إليها وحلولهم فيها. ولو لا سعة الأرض وفسحتها، لكان الناس كمن هو في حصار ضيّق لا يجد مندوحة عن وطنه إذا حزبه أمر يضطرّه إلى الانتقال عنه.
ثمّ فكّر في خلق هذه الأرض على ما هي عليه حين خلقت راتبة راكنة فتكون موطناً مستقرّاً للأشياء فيتمكّن الناس من السعي عليها في مآربهم، والجلوس عليها لراحتهم، والنوم لهدئهم، والإتقان لأعمالهم فإنّها لو كانت رجراجة متكففّئة لم يكونوا يستطيعون أن يتقنوا البناء، والتجارة والصناعة وما أشبه ذلك، بل كانوا لا يتهنّؤون بالعيش والأرض ترتجّ من تحتهم، واعتبر ذلك بما يصيب الناس حين الزلازل على قلّة مكثها حتّى يصيروا إلى ترك منازلهم والهرب عنها.
فإن قال قائل: فلم صارت هذه الأرض تزلزل؟ قيل له: إنّ الزلزلة وما أشبهها موعظة وترهيب يرهّب بها الناس ليرعووا وينزعوا عن المعاصي، وكذلك ما ينزل بهم من البلاء في أبدانهم وأموالهم يجري في التدبير على ما فيه صلاحهم وأستقامتهم، ويدّخر لهم إن صلحوا من الثواب والعوض في الآخرة ما لا يعدله شيء من أمور الدنيا، وربّما عجّل ذلك في الدنيا إذا كان ذلك في الدنيا صلاحاً للخاصة والعامة.
ثمّ إنّ الأرض في طباعها الّتي طبعها الله عليه باردة يابسة، وكذلك الحجارة وإنّما الفرق بينها وبين الحجارة فضل يبس في الحجارة، أفرأيت لو أنّ اليبس أفرط على الأرض قليلاً حتّى تكون حجراً أصلداً أكانت تنبت هذا النبات الّذي به حياة الحيوان؟ وكان يمكن بها حرث أو بناء؟ أفلا ترى كيف تنصب من يبس الحجارة وجعلت على ما هي عليه من اللّين والرخاوة ولتهيّأ للاعتماد؟
ومن تدبير الحكيم عزّ وجلّ في خلقة الأرض أنّ مهبّ الشمال أرفع من مهبّ الجنوب، فلم جعله الله عزّ وجلّ كذلك إلاّ لتنحدر المياه على وجه الأرض فتسقيها وترويها؟ ثمّ تفيض آخر ذلك إلى البحر، فكأنّما يرفع أحد جانبي السطح ويخفض الآخر لينحدر الماء عنه ولا يقوم عليه، كذلك جعل مهبّ الشمال أرفع من مهبّ الجنوب لهذه العلّة بعينها. ولولا ذلك لبقي الماء متحيّراً على وجه الأرض، فكان يمنع الناس من إعمالها، ويقطع الطرق والمسالك. ثمّ الماء لولا كثرته وتدفقّه في العيون والأودية والأنهار لضاق عمّا يحتاج الناس إليه لشربهم وشرب أنعامهم ومواشيهم، وسقي زروعهم وأشجارهم وأصناف غلاتهم، وشرب ما يرده من الوحوش والطير والسباع وتتقلّب فيه الحيتان ودوابّ الماء. وفيه منافع أخر أنت بها عارف وعن عظم موقعها غافل، فإنّه سوى الأمر الجليل المعروف من غنائه في إحياء جميع ما على الأرض من الحيوان والنبات يمزج بالأشربة فتلين وتطيب لشاربها. وبه تنظف الأبدان والأمتعة من الدرن الّذي يغشاها، وبه يبلّ التراب فيصلح للأعمال، وبه يكفّ عادية النّار إذا اضطرمت وأشرف الناس على المكروه، وبه يسيغ الغصّان ما غصّ به. وبه يستحمّ المتعب الكالّ فيجد الراحة من أوصابه، إلى أشباه هذا من المآرب الّتي تعرف عظم موقعها في وقت الحاجة إليها.
فإن شككت في منفعة هذا الماء الكثير المتراكم في البحار وقلت: ما الإرب فيه؟ فاعلم أنّه مكتنف ومضطرب ما لا يحصى: من أصناف السمك ودوابّ البحر، ومعدن اللؤلؤ والياقوت والعنبر، وأصناف شتّى تستخرج من البحر، وفي سواحله منابت العود، وضروب من الطيب والعقاقير. ثمّ هو بعد مركب الناس ومحمل لهذه التجارات الّتي تجلب من البلدان البعيدة، كمثل ما يجلب من الصين إلى العراق، ومن العراق إلى الصين. فإنّ هذه التجارات لو لم يكن لها محمل إلاّ على الظهر لبارت، وبقين في بلدانها، وأيدي أهلها، لأنّ أجر حملها كان يتجاوز أثمانها فلا يتعرّض أحد لحملها، وكان يجتمع في ذلك أمران: أحدهما فقد أشياء كثيرة تعظم الحاجة إليها، والآخر انقطاع معاش من يحملها ويتعيّش بفضلها. وهكذا الهواء لولا كثرته وسعته لاختنق هذا الأنام من الدخان والبخار الّتي يتحيّر فيه، ويعجز عمّا يحوّل إلى السحاب والضباب أوّلاً فأوّلاً، وقد تقدّم من صفته ما فيه كفاية.
والنّار أيضاً كذلك فإنّها لو كانت مبثوثة كالنسيم والماء كانت تحرق العالم وما فيه، ولم يكن بدّ من ظهورها في الأحايين لغنائها في كثير من المصالح فجعلت كالمخزونة في الأجسام، تلتمس عند الحاجة إليها، وتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها لئلا تخبو. فلا هي تمسك بالمادة والحطب فتعظم المؤونة في ذلك، ولا هي تظهر مبثوثة فتحرق كلّ ما هي فيه، بل هي على تهيئة وتقدير اجتمع فيها الاستمتاع بمنافعها، والسلامة من ضررها. ثُمّ فيه خلّة أخرى وهي أنّها ممّا خصّ به الإنسان دون جميع الحيوان لما له فيها من المصلحة فإنّه لو فقد النّار لعظم ما يدخل عليه من الضرر في معاشه، فأمّا البهائم فلا تستعمل النّار ولا تستمتع بها، ولمّا قدّر الله عزّ وجلّ أن يكون هذا هكذا، خلق للإنسان كفّاً وأصابع مهيّأة لقدح النّار واستعمالها، ولم يعط البهائم مثل ذلك لكنّها أعينت بالصبر على الجفاء والخلل في المعاش، لكيلا ينالها في فقد النّار ما ينال الإنسان.
فكّر يا مفضّل في الصحو والمطر كيف يعتقبان على هذا العالم لما فيه صلاحه، ولو دام واحد منهما عليه كان في ذلك فساده. ألا ترى أنّ الأمطار إذا توالت عفنت البقول والخضر، واسترخت أبدان الحيوان، وخصر الهواء فأحدث ضروباً من الأمراض، وفسدت الطرق والمسالك، وإنّ الصحو إذا دام جفّت الأرض، واحترق النبات، وغيض ماء العيون والأودية فأضرّ ذلك بالناس، وغلب اليبس على الهواء فأحدث ضروبا أخرى من الأمراض. فإذا تعاقبا على العالم هذا التعاقب اعتدل الهواء ودفع كلّ واحد منهما عادية الآخر فصلحت الأشياء واستقامت.
فإن قال قائل: ولم لا يكون في شيء من ذلك مضرّة البتّة؟ قيل له: ليمضّ ذلك الإنسان ويؤلمه بعض الألم فيرعوي عن المعاصي. فكما أنّ الإنسان إذا سقم بدنه احتاج إلى الأدوية المرّة البشعة ليقوّم طباعه ويصلح ما فسد منه، كذلك إذا طغى وأشر احتاج إلى ما يولمه ليرعوي ويقصر عن مساويه، ويثبته على ما فيه حظّه ورشده. ولو أنّ ملكاً من الملوك قسّم في أهل مملكته قناطير من ذهب وفضة ألم يكن سيعظم عندهم ويذهب له به الصوت؟ فأين هذا من مطرة روّاء؟ إذ يعمر به البلاد ويزيد في الغلاّت أكثر من قناطير الذهب والفضة في أقاليم الأرض كلّها. أفلا ترى المطرة الواحدة ما أكبر قدرها وأعظم النعمة على الناس فيها وهم عنها ساهون. ربّما عاقت عن أحدهم حاجة لا قدر لها، فيذمر ويسخط، إيثاراً للخسيس قدره على العظيم نفعه، جهلاً بمحمود العاقبة وقلّة معرفة لعظيم الغناء والمنفعة فيها.
تأمّل نزوله على الأرض والتدبير في ذلك، فإنّه جعل ينحدر عليها من علوّ ليتفشّى في ما غلظ وارتفع منها فيرويه، ولو كان يأتيها من بعض نواحيها لما علا على المواضع المشرفة منها ويقلّ ما يزرع في الأرض. ألا ترى أنّ الّذي يزرع سيحاً أقلّ من ذلك، فالأمطار هي الّتي تطبق الأرض. وربّما تزرع هذه البراري الواسعة وسفوح الجبال وذراها، فتغلّ الغلّة الكثيرة، وبها يسقط عن الناس في كثير من البلدان مؤونة سياق الماء من موضع إلى موضع، وما يجري في ذلك بينهم من التشاجر والتظالم حتّى يستأثر ذوو العزّة والقوّة، ويحرمه الضعفاء. ثم ّ إنّه حين قدّر أن ينحدر على الأرض انحداراً جعل ذلك شبيهاً بالرشّ ليغور في قطر الأرض فيرويها، ولو كان يسكبه انسكاباً كان ينزل على وجه الأرض فلا يغور فيها ثمّ كان يحطم الزرع القائم إذا اندفق عليه، فصار ينزل نزولاً رقيقاً، فينبت الحبّ المزروع، ويحيي الأرض والزرع القائم. وفي نزوله أيضاً مصالح أخرى فإنّه يليّن الأبدان، ويجلو كدر الهواء، فيرتفع الوباء الحادث من ذلك، ويغسل ما يسقط على الشجر والزرع من الداء المسمّى باليرقان، إلى أشباه هذا من المنافع.
فإن قال قائل: أوليس قد يكون منه في بعض السنين الضرر العظيم الكثير لشدّة ما يقع منه، أو برد يكون فيه تحطّم الغلاّت وبخورة يحدثها في الهواء، فيولّد كثيراً من الأمراض في الأبدان والآفات في الغلاّت؟ قيل: بلى، قد يكون ذلك الفرط لما فيه من صلاح الإنسان وكفّه عن ركوب المعاصي والتمادي فيها فيكون المنفعة فيما يصلح له من دينه أرجح ممّا عسى أن يرزأ في ماله.
انظر يا مفضّل إلى هذه الجبال المركومة من الطّين والحجارة الّتي يحسبها الغافلون فضلاً لا حاجة إليها، والمنافع فيها كثيرة: فمن ذلك أن تسقط عليها الثلوج فتبقى في قلالها لمن يحتاج إليها، ويذوب ما ذاب منها، فتجري منه العيون الغزيرة الّتي تجتمع منها الأنهار العظام، وينبت فيها ضروب من النبات والعقاقير الّتي لا ينبت مثلها في السهل، ويكون فيها كهوف ومقايل للوحوش من السباع العادية، ويتخّذ منها الحصون والقلاع المنيعة للتحرزّ من الأعداء. وينحت منها الحجارة للبناء، ويوجد فيها معادن لضروب من الجواهر، وفيها خلال أخرى لا يعرفها إلاّ المقدّر لها في سابق علمه.
فكّر يا مفضّل في هذه المعادن وما يخرج منها من الجواهر المختلفة، مثل الجصّ والكلس والجبس والزرنيخ والنحاس والرصاص والفضّة والذهب والزبرجد والياقوت والزمرّد والنفط وغير ذلك ممّا يستعمله الناس في مآربهم. فهل يخفى على ذي عقل أنّ هذه كلّها ذخائر ذخرت للإنسان في هذه الأرض ليستخرجها فيستعملها عند الحاجة إليها؟ ثمّ قصرت حيلة الناس عمّا حاولوا من صنعتها على حرصهم واجتهادهم في ذلك فإنّهم لو ظفروا بما حاولوا من هذا العلم كان لا محالة سيظهر ويستفيض في العالم حتّى تكثر الذهب والفضّة ويسقطا عند الناس فلا يكون لهما قيمة ويبطل الانتفاع بهما في الشراء والبيع والمعاملات، ولا كان يجيئ السلطان الأموال، ولا يدّخرهما أحد للأعقاب.
فانظر كيف أعطوا إرادتهم فيما لا ضرر فيه، ومنعوا ذلك فيما كان ضارّاً لهم لو نالوه. ومن أوغل في المعادن انتهى إلى واد عظيم يجري منصلتاً بماء غزير، لا يدرك غوره، ولا حيلة في عبوره، ومن ورائه أمثال الجبال من الفضّة.
تفكّر الآن في هذا من تدبير الخالق الحكيم فإنّه أراد جلّ ثناؤه أن يرى العباد قدرته وسعة خزائنه، ليعلموا أنّه لو شاء أن يمنحهم كالجبال من الفضّة لفعل، لكن لا صلاح لهم في ذلك، لأنّه لو كان فيكون فيها كما ذكرنا سقوط هذا الجوهر عند الناس وقلّة انتفاعهم به. واعتبر ذلك بأنّه قد يظهر الشّيء الطريف ممّا يحدثه الناس من الأواني والأمتعة فما دام عزيزاً قليلاً فهو نفيس جليل آخذ الثمن، فإذا فشا وكثر في أيدي الناس سقط عندهم وخسّت قيمته، ونفاسة الأشياء من عزّتها.
فكّر يا مفضّل في هذا النبات وما فيه من ضروب المآرب. فالثمار للغذاء، والأتبان للعلف، والحطب للوقود، والخشب لكلّ شيء من أنواع النجارة وغيرها، واللّحاء والورق والأصول والعروق والصموغ لضروب من المنافع. أرأيت لو كنّا نجد الثمار الّتي نغتذي بها مجموعة على وجه الأرض ولم تكن تنبت على هذه الأغصان الحاملة لها كم كان يدخل علينا من الخلل في معايشنا، وإن كان الغذاء موجوداً فإنّ المنافع بالخشب والحطب والأتبان وسائر ما عدّدناه كثيرة، عظيم قدرها، جليل موقعها، هذا مع ما في النبات من التلذّذ بحسن منظره ونضارته الّتي لا يعدلها شيء من مناظر العالم وملاهيه.
فكّر يا مفضّل في هذا الريع الّذي جعل في الزرع فصارت الحبّة الواحدة تخلف مائة حبّة أو أكثر أو أقلّ، وكان يجوز أن يكون الحبّة تأتي بمثلها، فلم صارت تريع هذا الريع إلاّ ليكون في الغلّة متّسع لما يرد في الأرض من البذر، وما يتقوّت الزرّاع إلى إدراك زرعها المستقبل؟ ألا ترى الملك لو أراد عمارة بلد من البلدان كان السبيل في ذلك أن يعطي أهله ما يبذرونه في أرضهم، وما يقوتهم إلى إدراك زرعهم. فانظر كيف تجد هذا المثال قد تقدّم في تدبير الحكيم فصار الزرع يريع ليفي بما يحتاج إليه للقوت والزراعة. وكذلك الشجر والنبت والنخل يريع الريع الكثير فإنّك ترى الأصل الواحد حوله من فراخه أمراً عظيماً، فلم كان كذلك إلاّ ليكون فيه ما يقطعه الناس ويستعملونه في مآربهم وما يرد فيغرس في الأرض؟ ولو كان الأصل منه يبقى منفرداً لا يفرخ ولا يريع لما أمكن أن يقطع منه شيء لعمل ولا لغرس، ثمّ كان إن أصابته آفة انقطع أصله فلم يكن منه خلف.
تأمّل نبات هذه الحبوب من العدس والماش والباقلا وما أشبه ذلك، فإنّها تخرج في أوعية مثل الخرائط لتصونها وتحجبها من الآفات إلى أن تشدّ وتستحكم، كما قد تكون المشيمة على الجنين، لهذا المعنى بعينه. فأمّا البرّ وما أشبهه فإنّه يخرج مدرّجا في قشور صلاب على رؤوسها مثال الأسنّة من السنبل ليمنع الطير منه ليتوفّر على الزرّاع.
فإن قال قائل: أوليس قد ينال الطير من البرّ والحبوب؟ قيل له: بلى، على هذا قدّر الأمر فيها لأنّ الطير خلق من خلق الله، وقد جعل الله تبارك وتعالى له فيما تخرج الأرض حظّاً، ولكن حضنت الحبوب بهذه الحجب لئلاّ يتمكّن الطير منها كلّ التمكّن فيعبث فيها، ويفسد الفساد الفاحش، فإنّ الطير لو صادف الحبّ بارزاً ليس عليه شيء يحول دونه لأكبّ عليه حتّى ينسفه أصلا، فكان يعرض من ذلك أن يبشم الطير فيموت، ويخرج الزّارع من زرعه صفرا، فجعلت عليه هذه الوقايات لتصونه، فينال الطائر منه شيئاً يسيراً يتقوّت به، ويبقى أكثره للإنسان فإنّه أولى به إذ كان هو الّذي كدح فيه وشقى به، وكان الّذي يحتاج إليه أكثر ممّا يحتاج إليه الطير.
تأمّل الحكمة في خلق الشجر وأصناف النبات فإنّها لمّا كانت تحتاج على الغذاء الدائم كحاجة الحيوان ولم يكن لها أفواه كأفواه الحيوان ولا حركة تنبعث بها لتناول الغذاء، جعلت أصولها مركوزة في الأرض لتنزع منها الغذاء، فتؤدّيه إلى الأغصان وما عليها من الورق والثمر. فصارت الأرض كالأمّ المربّية لها، وصارت أصولها الّتي هي كالأفواه ملتقمة للأرض لتنزع منها الغذاء كما يرضع أصناف الحيوان أمّهاتها. ألا ترى إلى عمد الفساطيط والخيم كيف تمدّ بالأطناب من كلّ جانب لتثبت منتصبة، فلا تسقط ولا تميل، فهكذا تجد النبات كلّه له عروق منتشرة في الأرض ممتدّة إلى كلّ جانب لتمسكه وتقيمه. ولولا ذلك، كيف كان يثبت هذا النخل الطوال في الريح العاصف. فانظر إلى حكمة الصناعة، فصارت الحيلة الّتي يستعملها الصنّاع في ثبات الفساطيط والخيم متقدّمة في خلق الشجر لأنّ خلق الشجر قبل صنعة الفساطيط والخيم. ألا ترى عمدها وعيدانها من الشجر؟ فالصناعة مأخوذة من الخلقة.
تأمّل يا مفضّل خلق الورق فإنّك ترى في الورقة شبه العروق مبثوثة فيها أجمع. فمنها غلاظ ممتدّة في طولها وعرضها، ومنها دقاق تتخلّل الغلاظ منسوجة نسجاً دقيقاً معجماً لو كان ممّا يصنع بالأيدي كصنعة البشر لما فرغ من ورق شجرة واحدة في عام كامل، ولاحتيج إلى آلات وحركة وعلاج وكلام فصار يأتي منه في أيّام قلائل من الربيع ما يملأ الجبال والسهل وبقاع الأرض كلّها بلا حركة ولا كلام إلاّ بالإرادة النافذة في كلّ شيء والأمر المطاع. واعرف مع ذلك العلّة في تلك العروق الدقاق فإنّها جعلت تتخلّل الورقة بأسرها لتسيقها وتوصل الماء إليها بمنزلة العروق المبثوثة في البدن لتوصل الغذاء إلى كلّ جزء منها. وفي الغلاظ معنى آخر فإنّها تمسك الورقة بصلابتها ومتانتها لئلاّ تنتهك وتتمزّق، فترى الورقة شبيهة بورقة معمولة بالصنعة من خرق قد جعلت فيها عيدان ممدودة في طولها وعرضها لتتماسك فلا تضطرب. فالصناعة تحكي الخلقة وان كانت لا تدركها على الحقيقة.
فكّر في ضروب من التدبير في الشجر فإنّك تراه يموت في كلّ سنة موتة، فيحتبس الحرارة الغريزيّة في عوده، ويولّد فيه موادّ الثمار، ثمّ تحيى وتنتشر فتأتيك بهذه الفواكه نوعا بعد نوع، كما تقدّم إليك أنواع الأطبخة الّتي تعالج بالأيدي واحدا بعد واحد. فترى الأغصان في الشجر تتلقّاك ثمارها حتّى كأنّها تناولكها عن يد، وترى الرياحين تلقّاك في أفنانها كأنّها تجيئك بأنفسها. فلمن هذا التقدير إلاّ لمقدّر حكيم؟ وما العلّة فيه إلاّ تفكية الإنسان بهذه الثمار والأنوار؟ والعجب من أناس جعلوا مكان الشكر على النعمة جحود المنعم بها.
اعتبر بخلق الرمّانة وما ترى فيها من أثر العمد والتدبير، فإنّك ترى فيها كأمثال التلال من شحم مركوم في نواحيها، وحبّاً مرصوفاً رصفاً كنحو ما ينضد بالأيدي، وترى الحبّ مقسوماً أقساماً، وكلّ قسم منها ملفوفاً بلفائف من حجب منسوجة أعجب النسج وألطفه، وقشره يضمّ ذلك كلّه. فمن التدبير في الصنعة أنّه لم يكن يجوز أن يكون حشو الرمّانة من الحبّ وحده، وذلك أنّ الحبّ لا يمدّ بعضه بعضاً، فجعل ذلك الشحم خلال الحبّ ليمدّه بالغذاء. ألا ترى أنّ أصول الحبّ مركوزة في ذلك الشحم؟ ثمّ لفّ بتلك الّلفائف لتضمّه وتمسكه فلا يضطرب، وغشي فوق ذلك بالقشرة المستحصفة ليصونه ويحصّنه من الآفات. فهذا قليل من كثير وهي وصف الرمّانة وفيه أكثر من هذا لمن أراد الإطناب والتذرّع في الكلام، ولكن فيما ذكرت لك كفاية في الدلالة والاعتبار[2]. انتهى.





[1]                     "7 – 8 سورة الزلزلة"
[2]                     بحار الأنوار – العلامة المجلسيّ: كتاب التّوحيد ج3 ص57 - 151.